عاجل
الجمعة 19 يونيو 2026 الموافق 04 محرم 1448
رئيس التحرير
عمرو الديب

الحرب وملامح نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط

تحيا مصر

مثّلت الحرب التي استهدفت إيران أكثر من مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة؛ إذ ان تداعياتها من المتوقع ان تؤدي إلى تدشين مرحلة جديدة من إعادة التشكل الاستراتيجي في الشرق الأوسط، بما قد يعيد رسم توازنات القوى ويفرض مراجعة عميقة لمفاهيم الأمن والردع والنفوذ، ولطبيعة النظام الإقليمي الذي سيتبلور في السنوات المقبلة. فالحروب الكبرى في هذه المنطقة نادراً ما تنحصر نتائجها فيما يتحقق في ميادين القتال، وإنما تتجلى آثارها الأعمق في التحولات الاستراتيجية التي تعقبها، حين تعيد مختلف الأطراف تعريف مفاهيم الأمن وحدود الردع ومعنى النفوذ، وطبيعة العلاقة بين القوة العسكرية والقدرة السياسية على إدارة الاستقرار. ومن ثم فإن ما نشهده اليوم قد لا يقتصر على انتهاء جولة من الصراع، بقدر ما يعكس دخول المنطقة في مرحلة طويلة من إعادة التشكل الاستراتيجي، تتداخل فيها عناصر الصراع التقليدي مع أدوات أكثر تعقيداً تشمل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحرية التجارة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العسكرية والعمليات الاستخباراتية والحروب السيبرانية.

فالحروب الكبرى لا تقاس نتائجها بعدد الأهداف التي دُمِّرت، أو بحجم الخسائر التي تكبدها كل طرف، وإنما بقدرتها على تغيير القواعد التي كانت تحكم النظام الذي اندلعت في ظله. ومن هذه الزاوية، فإن الحرب على إيران قد تكون واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ليس لأنها أنهت "مرحلياً " صراعاً امتد لعقود، وإنما لأنها كشفت أن النظام الإقليمي الذي تشكل منذ نهاية الحرب الباردة لم يعد قادراً على إنتاج الاستقرار، وأن جميع ركائزه الأساسية أصبحت موضع مراجعة وإعادة تفاوض. فالولايات المتحدة تعيد تعريف دورها، وإسرائيل تعيد تقييم عقيدتها الأمنية، وإيران تبحث عن صيغة جديدة للحفاظ على نفوذها، ودول الخليج تعيد بناء مفهومها للأمن، بينما تتحول الطاقة والممرات البحرية من أدوات اقتصادية إلى عناصر حاكمة في معادلات الجيوسياسية العالمية. ومن ثم، فإن ما نشهده ليس نهاية حرب، وإنما بداية مرحلة انتقالية قد تستغرق سنوات، يعاد خلالها رسم التوازنات التي ستحدد شكل الشرق الأوسط لعقود مقبلة

وفي هذا السياق، تكتسب الحرب الأخيرة بعداً يتجاوز حدودها المباشرة، لأنها كشفت أن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح القوى الفاعلة في تحويل نتائجها إلى أساس لنظام إقليمي أكثر توازناً، يقوم على الردع المتبادل، وإدارة الأزمات، والتفاهمات السياسية، وإما أن تبقى المنطقة أسيرة حالة انتقالية طويلة، تتراجع فيها القواعد القديمة دون أن تتبلور قواعد جديدة، وهو ما يفتح الباب أمام دورات متكررة من التصعيد وعدم الاستقرار ، فالحرب على إيران لم تُسقط نظاماً إقليمياً قائماً، لكنها كشفت أن النظام الذي نشأ بعد عام 1991 لم يعد قادراً على الاستمرار بصورته القديمة، وأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية يعاد فيها التفاوض على قواعد القوة، والتحالفات، والأمن، والطاقة….فالحرب على إيران لم تُنهِ نظام الشرق الأوسط القديم، لكنها كشفت أن جميع ركائزه التقليدية—الردع الأمريكي، والتفوق الإسرائيلي، وأمن الخليج، وأمن الطاقة، وحتى تماسك التحالفات الغربية—أصبحت جميعها قيد إعادة التفاوض.

فمن الواضح ان تلك الحرب أثبتت أن جميع الأطراف ربحت وخسرت في الوقت نفسه. فالولايات المتحدة أثبتت تفوقها العسكري، لكنها أدركت أن القوة لا تستطيع فرض نظام سياسي جديد. وإسرائيل أضعفت القدرات الإيرانية، لكنها لم تستطع إنهاء التهديد الإيراني. وإيران نجحت في الحفاظ على الدولة، لكنها اكتشفت أن استراتيجية “الصبر الاستراتيجي” لم تعد كافية في مواجهة تطور القدرات العسكرية والاستخباراتية لخصومها.

لقد اعتاد الشرق الأوسط أن يخرج من كل حرب وهو يحمل خريطة سياسية جديدة، أما الحرب على إيران فقد أخرجته وهو يبحث عن قواعد جديدة لإدارة القوة نفسها. فالقضية لم تعد تتعلق بمن يمتلك السلاح الأكثر تطوراً، ولا بمن يحقق التفوق العسكري الأكبر، وإنما بمن يستطيع صياغة النظام الذي يحكم استخدام هذه القوة. ومن المرجح أن تشهد السنوات المقبلة مفاوضات لا تقل أهمية عن المعارك التي سبقتها، لأن ما سيحدد مستقبل المنطقة لن يكون نتائج الحرب وحدها، وإنما طبيعة التسويات التي ستعيد توزيع النفوذ والمسؤوليات والأدوار بين القوى الإقليمية والدولية. وبهذا المعنى، فإن الحرب قد تكون مرحلياً  قد انتهت عسكرياً، لكنها لم تكن سوى الفصل الأول في عملية تاريخية أطول، عنوانها الحقيقي ليس إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإنما إعادة بناء الشرق الأوسط ذاته

وإذا كان من المبكر الحديث عن نظام إقليمي جديد مكتمل الملامح، فإن من الواضح أن النظام الإقليمي الذي تبلور تدريجياً منذ نهاية الحرب الباردة بات يواجه درجة غير مسبوقة من التآكل. فقد استند هذا النظام إلى ثلاث ركائز رئيسية تمثلت في: ١- الحضور الأمريكي بوصفه الضامن الأمني الرئيس، ٢- واستقرار توازنات الردع التقليدية بين القوى الإقليمية، ٣- والاعتماد الواسع على التحالفات الثنائية في إدارة الأزمات. غير أن التطورات الأخيرة كشفت حدود فاعلية كل ركيزة من هذه الركائز؛ فالولايات المتحدة باتت أكثر ميلاً إلى إدارة المخاطر وتقاسم أعباء الأمن مع الشركاء بدلاً من الاضطلاع المنفرد بدور الضامن الأمني المباشر، كما أدركت القوى الإقليمية أن التفوق العسكري الأمريكي قد لا يفضي بالضرورة إلى حسم سياسي مستدام، في حين أصبحت التحالفات أكثر مرونة وسيولة وأقل قابلية للاستمرار بالصيغ التقليدية، في ظل تغير الأولويات الدولية وتسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية

في هذا السياق، تبرز التسوية الأمريكية–الإيرانية الأخيرة بوصفها انعكاساً لتحول بنيوي في المقاربة الأمريكية لإدارة الملف الإيراني، حيث يشير المسار الذي أعقب مرحلة من التصعيد العسكري المنسق بين واشنطن وتل أبيب إلى انتقال واضح من منطق السعي إلى الحسم الاستراتيجي إلى منطق إدارة الصراع واحتوائه. غير أن هذا التحول لم يقتصر على تغيير أدوات السياسة الأمريكية فحسب، بل كشف في الوقت ذاته عن تباين متزايد في الرؤية بين واشنطن وتل أبيب، إذ تنظر إسرائيل إلى هذا التفاهم بوصفه تراجعاً عن أهداف التصعيد حيث كانت تراهن على إسقاط النظام في طهران وإعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية المحيطة بإيران، بما يتجاوز حدود الاحتواء إلى إضعاف بنيوي أعمق لقدراتها ونفوذها.

ويأتي هذا التباين ليعكس إعادة تشكيل أوسع في طبيعة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، التي كانت لعقود طويلة أحد أكثر أعمدة التحالف الاستراتيجي استقراراً. فقد أظهرت تطورات ما بعد الحرب، انه رغم استمرار التنسيق العسكري والاستخباراتي الوثيق خلال العمليات، إلا انه اتضح اتساع الفجوة في إدراك أولويات مرحلة ما بعد التصعيد، حيث تميل الولايات المتحدة، في ضوء حساباتها العالمية الأوسع، إلى تحويل المكاسب العسكرية إلى مسار تفاوضي يهدف إلى تثبيت وقف التصعيد وضبط البرنامج النووي الإيراني وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تستنزف مواردها الاستراتيجية. في المقابل، تنطلق إسرائيل من تقدير مختلف لمفهوم “النصر”، ترى فيه هدفاً غير مكتمل ما لم يُترجم إلى إضعاف بنيوي طويل الأمد للقدرات الإيرانية يحدّ من قدرتها على إعادة إنتاج التهديد مستقبلاً.

وقد بلغ هذا التباين مستوى أكثر حدة مع التصريحات الصادرة عن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي وجّه انتقادات غير مسبوقة للقيادات الإسرائيلية، داعياً إياها إلى “الاستيقاظ وإدراك الواقع” المتمثل في تزايد عزلتها الدولية، وذلك رداً على الانتقادات الإسرائيلية للاتفاق الذي أبرمته إدارة الرئيس دونالد ترامب مع إيران. وقد استخدم فانس لغة شديدة اللهجة تجاه كبار المسؤولين في أقرب حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، مؤكداً أن “ثلثي الأسلحة التي دافعت عن إسرائيل خلال الأشهر الثلاثة الماضية دفع ثمنها دافعو الضرائب الأمريكيون”، ومضيفاً أنه “لو كان عضواً في الحكومة الإسرائيلية لما هاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي له في العالم”. ويأتي هذا الموقف ضمن سلسلة من التصريحات الأكثر تشدداً داخل البيت الأبيض تجاه إسرائيل خلال الأيام الأخيرة، بما يعكس تحولاً ملحوظاً في نبرة الخطاب الأمريكي الرسمي إزاء إدارة العلاقة مع تل أبيب.

ومع ذلك، فإن هذا التباين، رغم حدته الظاهرة، لا يصل إلى مستوى إعادة تشكيل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي أو تقويضه، بقدر ما يعكس اختلافاً في إدراك الأولويات وفي حساب الزمن الاستراتيجي. فالولايات المتحدة تدير شبكة عالمية من الالتزامات، وتتعامل مع الشرق الأوسط كجزء من معادلة دولية أوسع، بينما تنظر إسرائيل إلى البيئة الإقليمية من منظور تهديد مباشر ومستمر لأمنها القومي

وبقدر ما أسهم هذا التفاهم الأمريكي الإيراني في خفض احتمالات تواصل التصعيد العسكري ، فإنه أبقى على البنية العميقة للتوترات دون معالجة، ما يجعل الاستقرار الناتج عنه استقراراً هشاً ومؤقتاً. وعليه، فإن ما يتشكل في المرحلة الراهنة لا يمكن قراءته بوصفه تسويه نهائية أو حاسمة، بل كمنظومة من التفاهمات الجزئية القابلة للاهتزاز، تُدار فيها الأزمات أكثر مما تُحل، ويُعاد فيها ضبط التوازنات دون إعادة تأسيسها بصورة مستدامة.

ومن ناحيه اخري ،  تبرز مسألة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط في قلب هذه التحولات بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً. فالقواعد العسكرية التي شكلت لعقود طويلة أحد أبرز رموز الردع والاستقرار باتت اليوم جزءاً من معادلة أمنية أكثر تشابكاً، إذ لم تعد حصانتها الجغرافية أو العسكرية أمراً مسلّماً به كما في السابق. وقد أدى الانتشار المتزايد للصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، إلى جانب تطور قدرات الاستهداف السيبراني، إلى تحويل هذه القواعد إلى أهداف محتملة ضمن بيئة صراع  تتسم بدخول منظومات منخفضة التكاليف وعالية التأثير ، وهو الأمر الذي قد يدفع واشنطن إلى إعادة مراجعة فلسفة انتشارها العسكري، عبر الانتقال من نموذج التمركز الكبير الدائم إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على التموضع المتحرك والقدرات بعيدة المدى (Mobile Force Posture and Long-Range Capabilities)، إلى جانب تعزيز منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر وربطها بشبكات دفاع إقليمية متعددة الأطراف.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يحتفظ الشرق الأوسط بأهميته الاستراتيجية لكنه يتراجع نسبياً في سلم الأولويات مقارنة بتصاعد التنافس مع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، واستمرار إدارة العلاقة مع روسيا، والسعي للحفاظ على التفوق التكنولوجي والاقتصادي. ونتيجة لذلك، تبدو المظلة الأمنية الأمريكية مرشحة لأن تصبح أقل ارتباطاً بفكرة الضمان المباشر وأكثر اعتماداً على تقاسم الأعباء مع الشركاء الإقليميين، بما يعيد توزيع مسؤوليات الردع والاستقرار داخل النظام الإقليمي.

هذا التحول يضع دول الخليج أمام معادلة استراتيجية جديدة تتجاوز مفهوم الحماية التقليدية نحو ما يمكن وصفه بـ“الأمن المشترك متعدد المستويات”. وفي هذا السياق، يُتوقع أن يتزايد دور عدد من القوى الإقليمية غير الخليجية، وعلى رأسها مصر وتركيا وباكستان، في دعم معادلات الاستقرار الإقليمي وأمن الخليج، سواء عبر أدوار أمنية أو عبر تعاون دفاعي أو من خلال موازنة التفاعلات الإقليمية الأوسع. ويكتسب هذا الاتجاه أهمية إضافية في ظل أن التفاهم الأمريكي–الإيراني القائم لا يمثل تسوية نهائية بقدر ما يعكس إطاراً لإدارة الأزمة وتخفيف حدتها دون إزالة أسبابها البنيوية.

وبناءً عليه، فقد تعيد دول الخليج صياغة عقيدتها الأمنية على أساس ثلاث دوائر متداخلة: ١- دائرة للردع الخارجي عبر الشراكة مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، ٢- ودائرة لبناء قدرات دفاعية وطنية متقدمة مع شراكات عسكريه وأمنيه مع عدد من القوي الاقليميه، ٣- ودائرة ثالثة لإدارة التوترات الإقليمية عبر أدوات دبلوماسية وسياسية، بما في ذلك الانخراط في مسارات تهدئة مدروسة مع إيران، ليس بهدف إنهاء الصراع، وإنما بهدف ضبط إيقاعه ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة.

وفي هذا السياق، يبرز مستقبل مجلس التعاون الخليجي بوصفه أحد أهم عناصر إعادة التوازن الإقليمي. غير أن المجلس، رغم أهميته، لا يعمل في فراغ استراتيجي، بل في بيئة تتسم بتباين واضح في الإدراكات الأمنية بين دوله، حيث تختلف طبيعة التهديدات والأولويات والرهانات الاقتصادية والتنموية. ومع ذلك، فإن هذه المرحلة قد تدفع نحو تعزيز ما يمكن تسميته بـ“الحد الأدنى من الوحدة الاستراتيجية”، أي ذلك المستوى من التنسيق الذي لا يرقى إلى الاتحاد السياسي أو الدفاعي الكامل، لكنه يوفر قدراً ضرورياً من التماسك في مواجهة التحديات المشتركة.

ومن المرجح أن يتمحور هذا التكامل حول ملفات ذات طبيعة وجودية مثل أمن الطاقة والدفاع الجوي والصاروخي وحماية البنية التحتية الحيوية والتنسيق في السياسات الخارجية. وفي المقابل، ستظل مساحات واسعة من السيادة الوطنية محفوظة، بما يعكس الطبيعة الواقعية للنظام الخليجي الذي يجمع بين التعاون الوثيق والاستقلال السياسي في آن واحد.

وفي هذا السياق، يتعين البحث عن بدائل استراتيجية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز بوصفه نقطة اختناق جيوسياسية عالية الحساسية. ويبرز في هذا الإطار خيار تطوير منظومات متكاملة لربط حقول البترول والغاز في منطقة الخليج بشبكات أنابيب آمنه تمتد نحو البحر الأحمر، بما يتيح تنويع مسارات تصدير الطاقة وتخفيف المخاطر المرتبطة بالاضطرابات الإقليمية. ويمتد هذا التصور إلى إعادة تنشيط وتوسيع الممرات المؤدية إلى موانئ البحر الأحمر، ومنها إلى قناة السويس، مع الإشارة إلى الأهمية الاستراتيجية المتنامية لخط سوميد باعتباره أحد المكونات الرئيسية في بنية نقل الطاقة الإقليمية والدولي ، غير أن أهمية هذه البدائل لا تقتصر على بعدها اللوجستي، بل تعكس اتجاهاً أوسع نحو إعادة هندسة أمن الطاقة العالمية، بما يعنيه ذلك من إعادة توزيع مسارات الإمداد وتعدد نقاط العبور الاستراتيجية وتقليص مركزية الممرات البحرية التقليدية في النظام الطاقي العالمي.

وفي ضوء ذلك، تتبلور ثلاثة مسارات استراتيجية مترابطة: مسار للأمن البحري الجماعي عبر تحالفات متعددة الأطراف، ومسار لإعادة هيكلة شبكات تصدير الطاقة عبر بدائل برية وموانئ متنوعة، ومسار ثالث طويل المدى يتمثل في التحول البنيوي لأسواق الطاقة العالمية مع تسارع الانتقال نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين الاخضر ومع ذلك، فإن هذه التحولات لا تعني تراجعاً فورياً في أهمية مضيق هرمز، بل على العكس قد تزيد من حساسيتها في المرحلة الانتقالية، حيث يتعايش النظامان التقليدي والناشئ في حالة من التداخل وعدم الاستقرار.

وفي ضوء هذه التحولات المتشابكة، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يدخل في مرحله انتقالية مفتوحة، تتراجع فيها القواعد القديمة دون أن تستقر قواعد جديدة بديلة. وهي حالة تجعل من إدارة الغموض الاستراتيجي مهارة مركزية لجميع الفاعلين، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على يقين استراتيجي طويل الأمد، بل على قدرة مستمرة على التكيف مع بيئة متغيرة تتداخل فيها مستويات القوة المختلفة بصورة غير مسبوقة.

 

السفير عمرو حلمي 

تابع موقع تحيا مصر علي