ورقة مساومة.. مبادرة روسية لنقل اليورانيوم تواجه عقبة الرفض الأميركي
يعد موضوع اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السياسي الدولي الراهن، حيث يتقاطع فيه الصراع العسكري المستمر مع الحسابات الإستراتيجية المعقدة بين القوى العظمى، وتبرز روسيا في هذا السياق كلاعب محوري يعرض خبراته التاريخية لحلحلة العقدة التي تعطل التوصل إلى اتفاق ينهي المواجهات الأميركية الإسرائيلية ضد طهران، في وقت ترفض فيه واشنطن أي دور لموسكو أو بكين في هذا الملف الشائك.
وحسب تقرير لموقع إندبندنت عربية، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جدد استعداد بلاده لتسلم اليورانيوم المخصب بدرجة عالية من إيران لتخزينه، معتبراً أن المقترحات الروسية ما زالت مطروحة على الطاولة كخيار مثالي يضمن لطهران نقل هذه المواد الخطرة إلى دولة صديقة وموثوقة، مع تأكيده المستمر على أن إيران لا تسعى لإنتاج أسلحة نووية بل تركز على الاستخدامات السلمية للطاقة، وهو ما يدفع موسكو للمساهمة الفعالة في إيجاد مخرج مناسب لهذه الأزمة الدولية.
وتتمحور المعضلة الأساسية حول مصير نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة، حيث تشكل هذه الكمية الحساسة جوهر المحادثات غير الرسمية والرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران، وفي حين يرى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن نقل هذه المخزونات مهمة بالغة التعقيد، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفض بشكل قاطع فكرة نقلها إلى روسيا أو الصين.
وفي ظل هذا الرفض الأميركي الحاسم، ناقش الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه المبادرة مع نظيره الصيني شي جينبينغ خلال زيارته الأخيرة إلى بكين، لبحث سبل تفعيل الدور الروسي الذي يمكن أن يتخذ أشكالاً متعددة مثل إعادة معالجة اليورانيوم العالي التخصيب ليصبح وقوداً، أو نقله مباشرة لتخزينه في المنشآت الروسية، بما يحفظ حقوق إيران المشروعة في استخدام الطاقة النووية للأغراض المدنية والسلمية وفق المواثيق الدولية.
وانتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف السياسة الأميركية التي أدت إلى تدمير الاتفاق النووي التاريخي الموقع عام 2015، مشيراً إلى أن السلوك الدبلوماسي لواشنطن المدفوع برغبة إسرائيلية في تخريب التفاهمات خلف أنقاضاً يصعب إعادة بنائها، ومؤكداً أن الآمال الحالية معلقة على إمكانية صياغة تفاهم جديد يرتكز على الخبرات الروسية الواسعة في التعامل مع المواد المشعة وتأمينها بشكل يضمن الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
الموقف الإيراني وشروط التقدم الدبلوماسي في ملف التخصيب
وتشير المصادر الدبلوماسية إلى أن طهران تبدي انفتاحاً مشروطاً لمناقشة فكرة نقل اليورانيوم المخصب إلى الأراضي الروسية، لكن المسؤولين الإيرانيين يربطون هذه الخطوة بإحراز تقدم حقيقي وملموس في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة لوقف الحرب المستعرة، حيث تعتزم الحكومة الإيرانية إرجاء المشاورات التفصيلية مع موسكو حتى تتضح معالم التوافق الأولي مع واشنطن وتتبلور أسس الحل السياسي الشامل.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المفاوضات الأخيرة مع الجانب الأميركي وصلت إلى طريق مسدود، بسبب وجود خلافات جوهرية وعميقة حول مصير مخزونات اليورانيوم المتراكمة لدى بلاده، مما دفع الطرفين بالاتفاق المتبادل إلى تأجيل هذا الملف المعقد إلى مراحل لاحقة من الحوار الدبلوماسي، لحين تهيئة الظروف السياسية الملائمة وتخفيف حدة التوتر العسكري والميداني الذي يلقي بظلاله على مسار المحادثات.
وتصطدم الجهود الدبلوماسية بتصلب المواقف السياسية، حيث تطالب الولايات المتحدة بفترات تعليق طويلة الأمد لعمليات التخصيب تصل إلى عشرين عاماً، بينما تصر طهران على ألا تتجاوز هذه المدة خمسة إلى سبعة أعوام، مما يجعل الهوة واسعة بين الطرفين ويضع المحادثات أمام جدار مسدود يهدد بانهيار وقف إطلاق النار الهش واستمرار الحصار البحري والبري الذي يعتبر في حد ذاته عملاً عسكرياً متواصلاً.
ويشهد برنامج التخصيب الإيراني حالياً حالة من الركود الفني، جراء الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنشأتي نطنز وفوردو النوويتين خلال العمليات العسكرية التي دارت في يونيو من العام الماضي، ويبدو أن السلطات الإيرانية تجد عدم جدوى في إنفاق مبالغ طائلة لترميم بنية تحتية قد تتعرض للقصف مجدداً، مما يجعل قضية تصدير اليورانيوم أو تخفيض مستويات تخصيبه خياراً يحتاج إلى ضمانات دولية صارمة.
وتصر واشنطن على نقل كامل الكميات المخصصة من المواد النووية إلى أراضيها حصرياً، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع وتعتبره مساساً بسيادتها وحقوقها، بينما يقترح الوسيط الروسي تسلم هذه الشحنات وحفظها في مكان آمن مع ضمان إعادتها لإيران في حال أخلت الولايات المتحدة بالتزاماتها المستقبلية، أو تحويلها إلى وقود منخفض التخصيب يصلح لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية السلمية.
الإرث الروسي في تفكيك الترسانات وإدارة الأزمات الدولية
وتستند موسكو في مقترحاتها الحالية إلى إرث حافل وخبرات تكنولوجية وتنظيمية واسعة في مجال إزالة اليورانيوم عالي التخصيب والوقود النووي المستهلك، حيث شاركت على مدى العقود الماضية في تنفيذ برامج دولية ناجحة لمنع الانتشار النووي، وتمكن المتخصصون الروس من إجلاء ومصادرة مواد نووية خطرة من أكثر من أربع عشرة دولة حول العالم، جرت معظمها في ظروف بالغة السرية والتعقيد.
ونفذت روسيا في عامي 2002 و2004 عمليات طارئة وناجحة لإزالة مئات الكيلوغرامات من المواد النووية الحساسة، شملت معهد فينكا في بلغراد والمنشآت النووية في طرابلس الغرب عقب قرار العقيد معمر القذافي التخلي عن برامجه التسلحية، كما نجحت في استعادة كميات ضخمة من الوقود النووي من المجر والتشيك وبولندا ورومانيا وبلغاريا وفيتنام وكوريا الشمالية، مما يعزز موثوقيتها الفنية على الصعيد العالمي.
ويمتلك الجانب الروسي تجربة مباشرة في تفكيك الفائض من اليورانيوم الإيراني عام 2015، حيث شكلت تلك الخطوة ركيزة أساسية لتنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة، وقام الخبراء الروس بنقل أكثر من أحد عشر طناً من المواد منخفضة التخصيب عبر البحر إلى موسكو، وتلقت طهران في المقابل شحنات من المواد الخام الطبيعية بمساعدة كازاخستان، لينخفض المخزون الإيراني حينها للمستويات الدولية المسموح بها.
ولا تقتصر الإنجازات الروسية على الملفات النووية، بل تمتد لتشمل الإشراف على تدمير الترسانة الكيماوية السورية بين عامي 2013 و2014، في عملية وصفها الخبراء الدوليون بأنها غير مسبوقة في التاريخ نظراً لتنفيذها وسط حرب أهلية طاحنة، حيث نجحت موسكو بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في سحب وتدمير نحو 1300 طن من الغازات السامة والقاتلة مثل السارين والخردل خلال عام واحد فقط.
وأعلنت مؤسسة روساتوم الحكومية الروسية عن جاهزيتها الفنية الكاملة لتكرار هذه التجربة، حيث أكد مديرها العام أليكسي ليخاتشيف أن العرض الروسي يتضمن تسلم اليورانيوم الإيراني وخفض مستويات تخصيبه، مقابل دفع تعويضات مالية أو تقديم شحنات من المواد الطبيعية الخام لطهران، مع إمكانية صياغة صفقة ثلاثية تشمل أطرافاً دولية أخرى مهتمة بإنهاء الصراع العسكري والدبلوماسي المحتدم في منطقة الشرق الأوسط.
المحددات الفنية واللوجيستية لنقل وتأمين الشحنات المشعة
ومن الناحية الفنية تتطلب عملية نقل اليورانيوم عالي التخصيب التزاماً صارماً بأعلى معايير السلامة والأمان التي تحددها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لتفادي أي تسرب إشعاعي أو تفاعلات متسلسلة خطيرة أثناء مراحل النقل المختلفة، ويوضح الخبراء أن هذه العمليات اللوجيستية تعتمد على استخدام حاويات وهياكل هندسية فائقة التعقيد تضمن احتواء الإشعاعات القاتلة وتوفر حماية مطلقة ضد أي حوادث تصادم أو مؤثرات خارجية.
وتعد منظومة الحاويات الهندسية المتطورة المخصصة لنقل المواد النووية صمام الأمان الرئيس، حيث صممت خصيصاً لمقاومة أقسى الظروف الأمنية ومحاولات السطو أو التخريب الإرهابي طوال رحلة الشحن، وتمتلك روسيا تجارب ناجحة في استخدام الشحن الجوي لإجلاء المواد الخطرة كما حدث في ليبيا عام 2009، فضلاً عن عملياتها المستمرة في تزويد محطة بوشهر الإيرانية بالوقود الجديد واستعادة الوقود المشع المستهلك.
ويرى المتخصصون في الشؤون العسكرية والنفطية أن الجانب التقني لنقل اليورانيوم يمكن حله وتأمينه بواسطة التكنولوجيا الروسية المتطورة، لكن العقبة تظل سياسية بامتياز وتتعلق بمدى مرونة الإدارة الأميركية في قبول الوساطة الروسية، حيث يؤدي التجاهل الأميركي المستمر للعروض الدبلوماسية القادمة من موسكو وبكين إلى إطالة أمد الأزمة ومراوحة واشنطن في مستنقع الصراع العسكري المستمر دون أفق واضح للحل.
وتشير التحليلات إلى أن بقاء الاحتياطات المتراكمة من اليورانيوم بنسب تتراوح بين عشرين وستين في المئة داخل المنشآت الإيرانية، سيبقي على التهديدات العسكرية بشن ضربات جديدة قائمة ومستمرة، مما يجعل الدور الروسي في إيجاد صيغة تسوية مقبولة أمراً حيوياً للأمن الإقليمي والدولي، لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة ومدمرة قد تنفجر في أي لحظة نتيجة الاستفزازات المتبادلة.
وتسعى المجلة التحليلية جيوإنيرغيتيكا إنفو إلى تسليط الضوء على الأبعاد التقنية، مؤكدة أن خفض نسبة تخصيب المواد وتحويلها إلى وقود للمفاعلات المدنية، هو السبيل الوحيد لتجنب التوترات المستمرة مع المفتشين الدوليين، وأن الخبرة الروسية توفر المظلة الفنية والسياسية اللازمة لتحقيق هذا الهدف، إذا ما تخلت الأطراف الغربية عن عنادها السياسي وقبلت بالواقعية الدبلوماسية التي تفرضها المعطيات الراهنة على الأرض.
آفاق التسوية الدبلوماسية ومستقبل الاستقرار في المنطقة
ويتوقف مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط على مدى القدرة على حلحلة عقدة اليورانيوم الإيراني، حيث يرى المراقبون أن استمرار العناد الأميركي في رفض الدور الإقليمي والدولي لروسيا والصين سيعطل أي فرص حقيقية للتوصل إلى اتفاق سلام دائم، وسيبقي على حالة التوتر العسكري والاشتباكات الدورية في الممرات البحرية والمنافذ البرية، مما يهدد حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة الحيوية.
وتملك موسكو وبكين رؤية مشتركة تهدف إلى احتواء الأزمة النووية عبر تقديم محفزات اقتصادية وتقنية لطهران، تحافظ على حقوقها السلمية وتضمن في الوقت نفسه تبديد المخاوف الدولية بشأن إمكانية تطوير أسلحة دمار شامل، وتأتي هذه الجهود في وقت تبدو فيه الخيارات العسكرية الأميركية الإسرائيلية غير قادرة على تحقيق حسم نهائي، بل تؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية والسياسية.
ويتطلب الخروج من هذا النفق المظلم تنازلات متبادلة تبدأ باعتراف واشنطن بالحقائق الجيوسياسية الجديدة، والقبول بصيغة تفاوضية متعددة الأطراف تعيد إحياء روح الاتفاق النووي القديم ولكن برؤية تتماشى مع المعطيات الراهنة، ويظل المقترح الروسي بتسلم وتأمين مخزونات اليورانيوم المخصب نافذة الأمل الوحيدة المتاحة حالياً على طاولة الدبلوماسية الدولية، لمنع تجدد الحروب الشاملة والحفاظ على السلم العالمي من مخاطر الانفجار.
تطبيق نبض
