مع تراجع الطلب الصيني.. النفط الإيراني ينخفض ويباع بخصم للمرة الأولى منذ أشهر
تواجه إيرادات طهران النفطية تحديات متزايدة بعد أن تراجع النفط الإيراني في السوق الصينية بشكل ملحوظ خلال الآونة الأخيرة.
كشفت مصادر تجارية في قطاع الطاقة عن تقديم خصومات سعرية ملموسة للمشترين الآسيويين، وتأتي هذه التخفيضات في الأسعار بهدف تحفيز الطلب المتراجع من قبل مصافي التكرير المستقلة في إقليم شاندونغ الصيني، والتي بدأت تقيد عمليات الشراء وتخفض معدلات تشغيلها بسبب تراجع هوامش الربحية وضعف الطلب المحلي على الوقود في الأسواق المستهلكة.
وحسب تقرير لوكالة رويترز الإخبارية فإن شحنات النفط الإيراني الخفيف تعرض حاليا بخصومات واضحة تتراوح بين خمسين سنتا ودولار واحد للبرميل مقارنة بعقود خام برنت القياسي، وهو ما يمثل تحولا كبيرا مقارنة بالعلاوات السعرية التي كانت تفرض في الأشهر الماضية والتي وصلت إلى دولارين، وفي سياق متصل شهدت العلاوات السعرية لخام إسبو الروسي تراجعا مماثلا لتستقر عند مستويات منخفضة تعكس رغبة التجار في جذب شريحة أوسع من المستهلكين بالمنطقة.
وتشير البيانات التحليلية لأسواق الطاقة العالمية إلى أن هذا الانخفاض في قيمة النفط الإيراني الخام يأتي تزامنا مع تراجع حاد في الصادرات الإجمالية المتجهة نحو السوق الصينية التي تعد المستورد الأكبر عالميا، حيث أسهمت الخسائر الفادحة التي تتكبدها المصافي المستقلة الصغيرة في تقليص معدلات استهلاكها الإجمالي من الخام، ما أدى بالتبعية إلى تراكم الإمدادات وتراجع القدرة التنافسية لمنتجي النفط الخاضعين للعقوبات الدولية المشددة خلال الفترة الحالية.
ويؤكد الخبراء في شركة كبلر لتحليل البيانات أن الضغوط الأميركية المحيطة بالموانئ والمنافذ البحرية تسببت في هبوط حاد لصادرات النفط الإيراني إلى أدنى مستوياتها في نحو ست سنوات، ورغم هذا الشح الواضح في المعروض النفطي الخارجي إلا أن الأسعار لم ترتفع بسبب إحجام المصافي الصينية عن الشراء، حيث تراجعت الواردات الصينية من طهران وموسكو إلى مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ عدة أشهر متتالية.
الضغوط الأميركية تعمق خسائر النفط الإيراني في الصين
وتظهر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن منصات التتبع الدولية أن صادرات النفط الإيراني تراجعت بشكل حاد لتصل إلى مستويات متدنية للغاية مقارنة بالمتوسط السنوي المسجل سابقا، حيث تشير التقديرات إلى أن حجم الصادرات اليومية انخفض إلى نحو مئتين وستين ألف برميل فقط خلال شهر مايو الماضي، وهو ما يمثل تراجعا هائلا يضعف التدفقات النقدية للدولة التي تعتمد بشكل أساسي على عائدات الطاقة لدعم ميزانيتها العامة.
ووفقا لبيانات مؤسسة أويل إكس المتخصصة في تتبع حركة الناقلات البحرية فإن حجم الشحنات اليومية من النفط الإيراني سجل أرقاما متواضعة للغاية تعكس حجم الحصار البحري المفروض، حيث تزامن هذا الهبوط مع انخفاض كميات الخام المخزنة في المياه الإقليمية وخارج المناطق المحاصرة، لتتراجع من مئة وثلاثين مليون برميل إلى نحو تسعة وسبعين مليون برميل تقطعت بها سبل الوصول إلى الأسواق العالمية المستهدفة.
وتعكس هذه الأرقام الصادمة حجم الأزمة التي يواجهها النفط الإيراني في ظل تشديد الرقابة الأميركية وفرض عقوبات جديدة طالت المنصات المالية الرقمية وشبكات التجارة، مما أدى إلى تعقيد عمليات الدفع والشحن الدولي وجعل المصافي المستقلة الصينية تفضل البحث عن بدائل أخرى أقل مخاطرة، وتجنب الدخول في صفقات قد تعرضها لعقوبات ثانوية تؤثر على نشاطها التجاري والاقتصادي في المستقبل القريب.
وتتحمل المصافي الصغيرة المستقلة في الصين أعباء مالية ثقيلة نتيجة لارتفاع التكاليف التشغيلية الإجمالية وضعف مستويات الطلب على المشتقات النفطية المختلفة، مما دفعها إلى تقليص عمليات التكرير والتشغيل بنسب متفاوتة، وهو ما انعكس سلبا وبشكل مباشر على حجم الطلب الكلي على الخام الإيراني المعروض، وأجبر المتعاملين في الأسواق على تقديم تنازلات سعرية إضافية ومستمرة لإقناع تلك المصافي بإعادة الشراء.
مستقبل الصادرات وتأثير التخفيضات على موازنة طهران
ويرى المحللون أن استمرار تراجع أسعار النفط الإيراني وتقديم الخصومات المستمرة للمشترين الصينيين سيؤدي حتما إلى تقلص العائدات المالية الموجهة للخزينة العامة الإيرانية، حيث تترابط هذه التطورات مع مساعي واشنطن المستمرة لتقييد القدرات التصديرية لطهران وعزلها عن المنظومة المالية العالمية، مما يفرض ضغوطا اقتصادية مضاعفة تتطلب البحث عن مسارات تسويقية جديدة وغير تقليدية لضمان تدفق النفط إلى الأسواق العالمية بانتظام.
وتمتد آثار هذه الأزمة لتشمل حركة التجارة النفطية الروسية في إقليم شاندونغ الشرقي بالصين حيث يواجه الخام الروسي منافسة محتدمة وضغوطا سعرية مماثلة، مما يبرز حالة الركود النسبي التي تسيطر على أكبر سوق مستورد للوقود في العالم، ويجعل الدول المنتجة تحت طائلة العقوبات في موقف تفاوضي أضعف أمام الشركات الصينية التي تستغل هذه الظروف للحصول على أفضل الأسعار الممكنة.
وفي ظل المشهد الاقتصادي المعقد تتزايد التوقعات بحدوث تقلبات جديدة في معدلات الإنتاج والتصدير الخاصة بإنتاج النفط الإيراني خلال النصف الثاني من العام الحالي، حيث ترتبط هذه التقديرات بمدى قدرة المصافي الصينية على استعادة عافيتها التشغيلية وتحسن مستويات الطلب المحلي على الوقود، إضافة إلى الموقف الدبلوماسي والسياسي بين واشنطن وطهران ومدى تأثيره على حركة الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
وتظل أسواق الطاقة الدولية تراقب بكثب مستويات المخزونات العائمة وحركة ناقلات النفط الإيراني في الممرات المائية الحيوية لمعرفة مدى نجاح إجراءات الحصار الأميركي، حيث تساهم هذه المعطيات في تحديد الاتجاهات المستقبلية لأسعار النفط الخام في البورصات العالمية، وتكشف عن مدى مرونة الدول المصدرة في مواجهة القيود الاقتصادية المفروضة عليها والبحث عن منافذ بديلة لتصريف إنتاجها النفطي المستمر.
تطبيق نبض