عاجل
الجمعة 08 مايو 2026 الموافق 21 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

"بتكلم مع نفسي”.. خبراء يطمئنون الملايين ويحذرون من التحول إلى «متلازمة جوسكا»

تحيا مصر

في لحظات الصمت، قد تجد نفسك تُجري حوارًا كاملاً داخل عقلك، تُعيد ترتيب المواقف، تُراجع قراراتك، أو حتى تتخيل سيناريوهات وترد عليها ولم تحدث بعد معك .

ورغم أن البعض ينظر إلى “الحديث مع النفس” باعتباره سلوكًا غريبًا أو علامة اضطراب نفسي، يؤكد علماء النفس أن هذه الظاهرة جزء طبيعي من النشاط العقلي البشري، بل واحيانا كثيرة قد تكون دليلًا على عقل نشط يحاول فهم العالم وتنظيم المشاعر.

ويقول متخصصون في الصحة النفسية إن الإنسان لا يتوقف فعليًا عن الحوار الداخلي، حتى أثناء الصمت، لأن العقل يعمل باستمرار على تحليل الخبرات، وتوقع المستقبل، وإدارة الضغوط اليومية.

لماذا نتحدث مع أنفسنا؟

يرى خبراء علم النفس أن الحديث الذاتي يؤدي وظائف عقلية ونفسية معقدة، أبرزها:
تنظيم الأفكار
حين يواجه الإنسان مشكلة أو قرارًا صعبًا، يبدأ العقل تلقائيًا في “الحوار الداخلي” لترتيب المعلومات وتحليل الخيارات الممكنة.

زيادة التركيز والانتباه

تشير دراسات نفسية إلى أن الأشخاص الذين ينطقون أسماء الأشياء التي يبحثون عنها يستطيعون العثور عليها بسرعة أكبر، لأن الحديث الذاتي يعزز التركيز الإدراكي.

التنفيس عن التوتر

وفي أوقات القلق أو الوحدة، يتحول الحديث مع النفس إلى وسيلة طبيعية لتخفيف الضغط النفسي واستعادة التوازن العاطفي.

بروفة ذهنية للمستقبل

كثيرون يتخيلون حوارات أو مواقف قبل حدوثها، كطريقة ذهنية للاستعداد النفسي والاجتماعي لما قد يواجهونه لاحقًا.

أحلام اليقظة.. حين يصنع العقل عوالمه الخاصة

لا يقتصر الأمر على الحديث الداخلي فقط، بل يمتد إلى تخيل القصص والسيناريوهات الكاملة، فيما يعرف بـ”أحلام اليقظة”.

ويؤكد علماء النفس أن التخيل ليس هروبًا دائمًا من الواقع، بل قد يكون أحد أهم مصادر الإبداع وحل المشكلات.

فالكتّاب، والفنانون، وحتى العلماء، يعتمدون بدرجات مختلفة على الخيال العقلي لبناء أفكار جديدة أو فهم المواقف المعقدة.

لكن الفارق الأساسي يكمن في “السيطرة”.

فطالما ظل الإنسان قادرًا على التفرقة بين الواقع والخيال، ولم يؤثر ذلك على حياته اليومية، فإن هذا السلوك يُعد طبيعيًا تمامًا.

متى تتحول أحلام اليقظة إلى «متلازمة جوسكا»؟
يحذر مختصون من أن الإفراط في بناء العوالم الخيالية قد يتحول إلى ما يُعرف نفسيًا بـ”أحلام اليقظة المفرطة” أو ما يطلق عليه البعض “متلازمة كوسكا”، وهي حالة يصبح فيها الخيال ملاذًا دائمًا للهروب من الواقع.

وتظهر المشكلة عندما:
تستغرق التخيلات ساعات طويلة يوميًا بشكل قهري.
يفضل الشخص العالم الخيالي على العلاقات الحقيقية.
تتراجع القدرة على التركيز في الدراسة أو العمل.
يميل المصاب إلى العزلة الاجتماعية والانفصال التدريجي عن الواقع.
يصبح الحديث مع النفس مستمرًا بصورة تعيق الحياة الطبيعية.

ويؤكد الخبراء أن هذه الحالة لا تعني بالضرورة الإصابة بمرض عقلي خطير، لكنها قد تكون مؤشرًا على ضغوط نفسية أو احتياجات عاطفية غير مشبعة.

الفرق بين الحديث الطبيعي والهلاوس النفسية

يفرق الأطباء النفسيون بين “الحديث الداخلي الطبيعي” وبين الحالات المرضية المرتبطة بالفصام أو الهلاوس السمعية.

فالإنسان الطبيعي يدرك أنه يتحدث مع نفسه أو يتخيل سيناريوهات من صنع عقله، بينما تكمن الخطورة عندما يعتقد الشخص أن الأصوات حقيقية أو صادرة عن أشخاص غير موجودين.

كما قد يصبح الحديث المفرط مع النفس علامة على اضطرابات أخرى مثل:
الاكتئاب الحاد
القلق الاجتماعي
الوسواس القهري
بعض اضطرابات العزلة النفسية

كيف يمكن السيطرة على الأمر؟
ينصح خبراء الصحة النفسية بعدم التعامل مع الحديث مع النفس باعتباره أمرًا مخيفًا، بل محاولة فهم سببه وطبيعته.

ومن أبرز النصائح:
تحويل الخيال إلى كتابة
يُفضل تدوين القصص والأفكار الخيالية بدلًا من تركها تدور بلا نهاية داخل العقل، لأن ذلك يحولها إلى طاقة إبداعية مفيدة.

العودة التدريجية للواقع

عند ملاحظة الانغماس الطويل في الخيال، يُنصح بالعودة بهدوء إلى الأنشطة الواقعية والتفاعل الاجتماعي.

مراقبة التأثير على الحياة

طالما أن الحديث مع النفس لا يعطل الدراسة أو العمل أو العلاقات، فهو غالبًا جزء طبيعي من النشاط الذهني.

هل الحديث مع النفس علامة ذكاء؟

ومن جانبهم  ،يرى عدد من الباحثين أن الأشخاص الذين يمارسون الحديث الداخلي بوعي قد يمتلكون قدرة أعلى على التحليل وتنظيم المشاعر واتخاذ القرار، لأن العقل يستخدم الحوار الذاتي كأداة للتفكير العميق.

وفي النهاية، يبدو أن الإنسان لا يعيش فقط في العالم الخارجي، بل يحمل داخله عالمًا كاملًا من الأصوات، والقصص، والأسئلة التي لا تتوقف أبدًا فهذا طبيعي طالما لم يصل الي حد العزلة او الانطواء .

تابع موقع تحيا مصر علي