< "18 عامًا” رقم قانوني أم وهم اجتماعي؟.. دراسة تكشف مفهوم الرشد
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

"18 عامًا” رقم قانوني أم وهم اجتماعي؟.. دراسة تكشف مفهوم الرشد

تحيا مصر

تشير دراسات في علم الاجتماع وعلم النفس إلى أن الإحساس الحقيقي بالرشد لا يرتبط بالسن القانوني، بل بعوامل نفسية واجتماعية أكثر تعقيدًا، ما يضع علامات استفهام حول فكرة “البلوغ عند 18 عامًا” بوصفها معيارًا عالميًا ثابتًا.

ورغم أن هذا الرقم يبدو بديهيًا اليوم، فإن جذوره تعود إلى قرارات سياسية وتشريعية تغيرت عبر القرن العشرين، وليس إلى أي أساس بيولوجي واضح.

كيف وُلد رقم 18؟ قرار سياسي لا علمي

يُظهر التحليل التاريخي أن سن الرشد في العديد من الدول كان 21 عامًا حتى منتصف القرن الماضي، قبل أن يبدأ تخفيضه تدريجيًا مع تغيرات سياسية كبرى.

ففي الولايات المتحدة الأمريكية، جاء التحول الحاسم مع التعديل الدستوري السادس والعشرين عام 1971، الذي خفض سن التصويت إلى 18 عامًا، في سياق سياسي مرتبط بمشاركة الشباب في الحروب، حيث طُرح منطق: “إذا كان الشاب قادرًا على القتال، فهو قادر على التصويت”.

شعار الحرب الذي حسم الجدل

هذا التحول تزامن مع انتشار شعار لافت في تلك المرحلة:
“كبير بما يكفي للقتال.. كبير بما يكفي للتصويت”.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذا القرار لم يكن نتيجة اكتشاف علمي لنضج الإنسان، بل تسوية سياسية بين متطلبات الدولة وحقوق الأفراد.

بريطانيا وأوروبا.. موجة عالمية لتخفيض سن الرشد

لم يكن الأمر أمريكيًا فقط، إذ شهدت دول عدة خلال الستينيات والسبعينيات موجة مشابهة لإعادة تعريف سن الرشد.

في المملكة المتحدة، تم خفض سن التصويت من 21 إلى 18 عام 1969، تزامنًا مع تصاعد الحركات الشبابية واتساع مفهوم المشاركة السياسية، وهو ما يعكس تغييرًا اجتماعيًا أكثر منه اكتشافًا لنضج الإنسان.

العلم يقول: لا نقطة نضج واضحة

تشير دراسات في علم الاجتماع السياسي إلى أن الأعمار القانونية حول العالم تختلف حتى اليوم بين دولة وأخرى، سواء في المسؤولية الجنائية أو الأهلية المدنية أو حقوق التصويت.

هذا التباين يؤكد غياب “نقطة بيولوجية ثابتة” يمكن اعتبارها لحظة نضج إنساني موحدة.

المراهقة تمتد بعد 18.. واللغة تكشف المفارقة

حتى اللغة تعكس هذا الالتباس، إذ تشير الدراسات اللغوية إلى أن مصطلح “teen” في الإنجليزية يمتد من 13 إلى 19 عامًا، ما يعني أن من بلغ 18 عامًا ما يزال لغويًا ضمن مرحلة المراهقة.

ويقول خبراء إن اللغة لا تصف الواقع فقط، بل تشكّله أيضًا، ما يساهم في ترسيخ فكرة أن مرحلة الانتقال لا تنتهي فجأة عند سن معين.

“رشد جزئي”.. بين القانون والمجتمع

وعلي الرغم أن سن 18 يمنح الفرد حقوقًا قانونية واسعة مثل التصويت والعمل وتحمل المسؤولية، إلا أن التعامل الاجتماعي لا يعكس دائمًا هذا الاعتراف الكامل.

ففي الحياة اليومية، يُنظر إلى الشباب أحيانًا كـ“كبار في القانون” و“صغار في الخبرة”، ما يخلق تناقضًا بين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي.

الرشد الحقيقي.. سلسلة من العتبات لا لحظة واحدة

تخلص الدراسات إلى أن الرشد ليس حدثًا لحظيًا عند عمر محدد، بل سلسلة تدريجية من التحولات تتوزع على مراحل عمرية مختلفة، تختلف حسب الثقافة والنظام القانوني.

وبهذا، يبدو أن سن 18 ليس بداية الرشد الحقيقي ولا نهايته، بل مجرد “خط تنظيمي” يمنح وضوحًا قانونيًا، دون أن يعكس بالضرورة نضج الإنسان الداخلي.