إنهاء عثر التحالف.. هل غيرت المواقف الأمريكية الأخيرة طبيعة التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل إلى الأبد؟
استهلت صحيفة تليغراف البريطانية قراءتها للمشهد السياسي بمقال رأي للكاتبين رولاند أوليفانت وديفيد بلير يتساءلان فيه هل تغيرت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الأبد، حيث أشارا إلى أن تجاهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحليفه بنيامين نتنياهو يعكس تصدعاً واضحاً في الشراكة التاريخية التي طالما جمعت البلدين، معتبرين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد يكون هو المهندس الحقيقي لهذا الانقسام غير المسبوق في تاريخ العلاقات المشتركة.
وحسب تقرير لموقع صحيفة تليغراف البريطانية فإن نتنياهو طالما قدم نفسه للداخل بوصفه الزعيم الأوحد القادر على حماية أمن إسرائيل والتعامل بمرونة مع ترامب، إلا أن الإدارة الأمريكية الحالية تبنت رؤية مغايرة تماماً تكللت بتصريح ترامب الاستثنائي الذي قال فيه إنه لولا وجوده لما كانت هناك دولة للمستوطنين، وجاء ذلك التطور بعد يومين فقط من توقيعه اتفاقاً منفرداً مع طهران عكس تجاهلاً واضحاً للمصالح الأمنية الإستراتيجية لحليفته في المنطقة.
ويرى الكاتبان أوليفانت وبلير أن هذا التصريح يمثل المؤشر الأكثر وضوحاً على أن التحالف الذي امتد لعقود بين واشنطن وإسرائيل لم يعد مضموناً، إذ يأتي هذا التوتر المتصاعد في ختام مواجهة عسكرية خاضها الطرفان معاً ضد خصومهما، وبدلاً من تعزيز الروابط أبرم الحليف الأقوى سلاماً منفصلاً مع طهران دون تشاور مسبق، مما ترك الجانب العسكري لحكومة نتنياهو في موقف جيوسياسي شديد الهشاشة والضعف.
وينوه المقال بأن إقدام الإدارة الأمريكية على خطوة التوقيع المنفرد وتجاهل الالتزام التاريخي بعدم التخلي عن الحليف يطرح علامات استفهام كبرى حول مستقبل الشراكة، وما يثير القلق في تل أبيب هو أن هذا التحول لا يرتبط فقط بقرارات ترامب المباغتة، بل يتزامن مع صعود تيار نقدي متنامٍ داخل الرأي العام الأمريكي والمنظومة السياسية يوجه انتقادات حادة لسياسات إسرائيل ويدعو لمراجعة الدعم المطلق لها.
تراجع التأييد الشعبي والسياسي داخل الأوساط الأمريكية لسياسات إسرائيل في المنطقة
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن التحول الجذري في المواقف يمتد ليشمل قواعد الحزب الجمهوري والمسيحيين الإنجيليين الذين كانوا يشكلون تاريخياً ظهيراً صلباً لحكومات اليمين، حيث بات اليمين الأمريكي المعاصر يبدي تشككاً متزايداً في جدوى الالتزامات الخارجية والتحالفات العسكرية الدولية دون استثناء، مما انعكس سلباً على حجم الدعم والغطاء السياسي الذي كانت تحظى به إسرائيل في الأوساط السياسية والشعبية بشتين ولايات أمريكا.
ووفقاً للتحليل الصحفي فإن العوامل الجوهرية التي تضعف جسد التحالف تعود بالأساس إلى التراجع الحاد في الدعم الشعبي داخل الولايات المتحدة، حيث أضحى المشرعون الديمقراطيون والقواعد الحزبية أكثر ميلاً للتعبير علناً عن غضبهم العارم من الهجمات العنيفة وتداعيات حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر، بينما يرى الجمهوريون أن استمرار هذا الالتزام اللامحدود تجاه إسرائيل يتناقض بوضوح مع الشعار القومي المرفوع أمريكا أولاً.
ويضيف الكاتبان أن الهجوم العسكري المشترك الذي شنته واشنطن بالتعاون مع إسرائيل ضد الأهداف الإيرانية، والذي واجه معارضة واسعة من ثلث الشعب الأمريكي، ساهم في توسيع الفجوة بين الحليفين، لا سيما بعد أن أسفرت تلك الحرب التي استهدفت الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وإنهاء قدراتها الصاروخية والنووية ودعمها للفصائل المسلحة عن بقاء النظام في السلطة بطهران بل وجعلته يبدو أكثر قوة ونفوذاً.
ومع اتضاح المشهد الميداني ونجاة الاقتصاد الإيراني من التدمير الكامل، أقدمت طهران على اتخاذ خطوة تصعيدية تمثلت في إغلاق مضيق هرمز الحيوي، مما دفع الولايات المتحدة إلى تغيير أولوياتها الاستراتيجية بسرعة نحو منع حدوث انهيار اقتصادي عالمي شامل وحماية الدول الحليفة في الخليج العربي من هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ، متجاهلة بذلك المطالب الملحة والدعم العسكري التكتيكي الذي كانت تنتظره إسرائيل لحسم المعركة.
تقديم المصالح الاقتصادية والنفطية على التعهدات الأمنية الممنوحة للجانب الإسرائيلي
وتأسست الرؤية الاستراتيجية لترامب في إبرام الاتفاق السريع لإنهاء الحرب على ضرورة فتح الممرات الملاحية وضمان خفض أسعار النفط عالمياً، في الوقت الذي كانت تنظر فيه إسرائيل إلى السيطرة على مضيق هرمز باعتبارها قضية ثانوية وهامشية مقارنة بالخطر الحقيقي المتمثل في ترسانة الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي الإيراني، مما خلق تضارباً عميقاً وجوهرياً في قراءة طبيعة التهديدات الحالية ومستقبل الصراع الإقليمي.
ويشرح أوليفانت وبلير في مقالهما أن البيت الأبيض مستعد دوماً لتقديم مصالحه القومية والاقتصادية الحيوية على حساب مصالح إسرائيل عندما تتعارض التوجهات والخطط، ولذلك جاءت شروط الاتفاق المفاجئ صدمة عنيفة ونكسة سياسية حقيقية للشارع والسياسيين في تل أبيب، حيث سمح ترامب للجمهورية الإسلامية بتأمين مستقبلها الاقتصادي والمالي ومنح القيادة السياسية في طهران طوق نجاة وخطة واضحة للبقاء والاستمرار.
ويؤكد المقال أن ظهور هذا التصدع البارز في جدار العلاقات الدبلوماسية خلال حقبة بنيامين نتنياهو لم يكن مفاجأة للمراقبين، بل كان نتيجة طبيعية لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يعد أحد المهندسين الفعليين لهذا التباعد، حيث ساهمت مناوراته السياسية المستمرة وضغوطه على الإدارات الأمريكية المتعاقبة في توليد حالة من النفور والتشكك لدى صناع القرار والجمهور الأمريكي في جدوى التحالف.
ويخلص الكاتبان في نهاية تحليلهما الشامل لصحيفة تليغراف إلى أن ما يشهده التحالف حالياً يمثل استثناءً تاريخياً غريباً، فالتحالفات المستدامة لا ترتكز فقط على تقاطع المصالح بل تتطلب رؤية موحدة للعالم، والمفترض في الحلفاء الذين يخوضون المعارك والحروب جنباً إلى جنب أن يزدادوا تقارباً وتماسكاً، لكن النتائج الحالية كشفت عن تباعد غير مسبوق في المواقف الاستراتيجية يهدد مستقبل إسرائيل وحيدة في مواجهة محيطها المضطرب.
تطبيق نبض
