عاجل
الأحد 21 يونيو 2026 الموافق 06 محرم 1448
رئيس التحرير
عمرو الديب

الكاتب الصحفي ياسر حمدي يكتب: ماتت «هدير» فمن يبكيها؟!

ياسر حمدي
ياسر حمدي

منذ أن وقع الحادث الأليم الذي راح ضحيته «هدير»، الفتاة المكافحة والمجاهدة من أجل لقمة العيش «الحلال»، البنت المسكينة التي تعول أسرة كاملة وتسعى لتلبية احتياجاتهم الأساسية والبسيطة بشرف وعفه وكرامة، منذ هذه الفاجعة القاسية والجميع يتساءل: ماتت هدير.. فمن يبكيها؟! ومن يأتي بحقها من غطرسة «دادي» وطيش ابنته وابنه؟!
هدير بنت الجوع والفقر، بنت الشقاء ولقمة العيش «الحلال»، تعمل على سيارة شاي في شارع من شوارع حدائق أكتوبر تحت لهيب الشمس وقسوة البرد، كانت تقف بالساعات، عيناها على حلم بسيط يدعى «الستر»، ويداها الخشنتان من أثر العمل تجهزان أكواب القهوة والشاي لعابري السبيل.

لم تكن تطلب من الدنيا سوى 200 أو 300 جنيه تعود بها في نهاية اليوم لتسد رمق عائلتها وتخفف عنهم وطأة العوز، لم تكن تعلم أن هذه السيارة الصغيرة، التي كانت بمثابة قارب النجاة لأسرتها، ستتحول في لحظة غادرة إلى مقبرة لأحلامها، وأن حياتها ستنتهي تحت إطارات الطيش والرفاهية العميقة.

في لحظة لم تحسب لها «بنت الشقاء» حسابًا، انطلق إعصار من الاستهتار أطاح بكل شيء؛ مراهقة ومعها شاب اخر لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، تقود سيارة فارهة بسرعة جنونية وبلا رخصة قيادة، لا تعرف من الحياة سوى الدلع المفرط والطيش الأعمى.

في ثانية واحدة، دوت صرخة مكتومة في شوارع حدائق أكتوبر، واختلطت دماء هدير بأوراق النوتة الصغيرة التي تدون فيها حساباتها، وتناثرت الأكواب الورقية وبقايا القهوة على الأسفلت! هُشم جسد الضحية، كُسرت عظامها، وتغيرت ملامح وجهها الشقيان في مشهد مأساوي يمزق نياط القلوب.

البشاعة لم تكن في الحادث نفسه، بل في «موت الضمير» الذي تلاه! فبينما كانت أنفاس هدير تفيض إلى بارئها والدماء تسيل منها، لم تهتز شعرة واحدة في جسد الطفلة القاتلة! لم تبكِ، لم ترتعب، بل أخرجت هاتفها بكل برود وبلادة، واتصلت بـ «المنقذ» قائلة: «بابي.. دادي.. تعالى بسرعة، أنا عملت حادثة والبنت بتاعة الشاي ماتت وعربيتها اتدشدشت!».

كلمات تختصر كل معاني الطبقية المقيتة؛ «بتاعة الشاي»؟! هكذا تحولت روح إنسانة كافحت من أجل شرف العيش إلى مجرد «نكرة» في قاموس مراهقة متبلدة المشاعر، مجردة من الإنسانية والمسؤولية، وكأن هدير وصاحبتها المصابة مجرد حشرات دُهست بالخطأ، وسيأتي «بابي» ليدفع ثمنها ويمضي!

تكتمل فصول هذه المأساة الإنسانية عندما وثقت الكاميرات وقوف البنت وشقيقها في موقع الحادث الذي ادعى أنه هو من كان يقود السيارة، واعترف بذلك في التحقيقات بالرغم من شهادة الشهود بأن البنت هي التي كانت تقودها!! وبدلاً من إظهار أي ندم، وقف الشاب والفتاة ينظران إلى إحدى الشاهدات المفجوعات ويخرجان لهما لسانهما باستهزاء وسخرية.

والمخجل أن وجههما كان ممتلئ بابتسامة وقاحة فوق جثة هامدة! بينما وقف الشاب واضعًا يديه في جيبيه بـ «قلاطة» وبرود شديد، يبتسم وكأنه في نزهة، مطمئنًا بأن أموال «بابي» ستشتريهم من القانون، وأن عقوبة القتل الخطأ لقاصر لن تتجاوز بضع سنوات في دار رعاية فاخرة.

ماتت هدير، وتركت وراءها حطام سيارة، وبضعة أكواب فارغة، وعائلة يعتصرها القهر والفقر، لا تجد من يعولها بعد اليوم؛ رحلت ابنة مصر الشقيانة، لتبقى قصتها صرخة مدوية في وجه كل أب وأم نزعوا المسؤولية والإنسانية من قلوب أبنائهم، وظنوا أن المال يحميهم من حساب الأرض والسماء؛ ماتت هدير.. فمن يبكيها؟! ومن يأتي بحقها من غطرسة «دادي» وطيش ابنته وابنه؟
القضية ليست في بشاعة الحادث فقط، بل فيما كشفته من خلل عميق وخطير داخل الأسرة المصرية، فأحد أهم مؤشرات التربية السليمة هو مراقبة الأبناء والمحاسبة وتحمل المسؤولية عند الخطأ، وهذه القيمة تحديدًا تبدو أنها تتآكل لدى قطاع كبير من أبناء هذا الجيل.

هذا الجيل - مواليد ما بعد 2010 - هو أول جيل نشأ بالكامل داخل العالم الرقمي؛ جيل الهواتف المحمولة والألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل؛ كثيرًا منهم نشأوا وسط ضغوط أسرية وتفكك مجتمعي، وأصبح تواصلهم مع العالم الافتراضي أحيانًا أكثر من تواصلهم مع الواقع.

الأمر المقلق لم يقتصر على الحادث نفسه رغم بشاعة نتائجه، بل في الاستهتار، وسوء التربية، وضعف الأسرة في عدم فرض قيود على الأبناء حفاظًا عليهم وعلى المجتمع في نفس الوقت؛ فكيف لطفل أو طفلة في سن الخامسة عشر من عمرهما أن يقودا سيارة بدون رقيب أو حسيب؟!
فحين يغيب الإحساس بالمسؤولية تجاه الأبناء ومراقبة أفعالهم, وتنعدم التربية القائمة على القيم، والاكتفاء بالدعم المادي، تكون النتيجة أجيالًا أقل ارتباطًا بمشاعر الآخرين وأكثر انفصالًا عن واقعهم، وعندما تتراجع الرحمة والتعاطف، تتراجع معها كثير من القيم الإنسانية.

أخيرًا: هدير.. وجع الفقراء في واقع ينتهكهم، لأن الفقراء كثيرًا ما يدفعون الثمن الأكبر من أحلامهم وأعمارهم وأرواحهم، بينما يملك أصحاب النفوذ والمال دائمًا من يحمي أبناءهم من تبعات أخطائهم! رحم الله البنت الشقيانة المكافحة وأسكنها فسيح جناته وألهم أهلها وأصدقاءها الصبر والسلوان على هذا الفراق الأليم، رحلت لكن قصتها ستظل شاهدًا على وجعٍ إجتماعي عميق، وعلى عالم لا يوزع العدالة دائمًا بالقدر نفسه على الجميع.

تابع موقع تحيا مصر علي