300 مليار دولار.. رويترز تكشف حقيقة تمويل مشروعات إعادة إعمار إيران
كشفت تقارير إعلامية غربية بارزة عن التفاصيل الحقيقية المرتبطة بالتعهدات المالية الضخمة المخصصة لملف إعادة إعمار إيران، والتي جرى تضمينها بشكل رسمي داخل اتفاق السلام التاريخي الذي توصلت إليه واشنطن وطهران مؤخراً برعاية باكستانية مكثفة، حيث نفت تلك التقارير بشكل قاطع الادعاءات السابقة التي أشارت إلى تحمل الدول أو الحكومات مبالغ تصل إلى ثلاثمائة مليار دولار أمريكي
وحسب تقرير لوكالة رويترز العالمية للأنباء نقلاً عن مصدر مطلع ومسؤول فإن الاتفاق الإطاري المبرم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية يشمل بالفعل تدشين صندوق استثماري خاص بقيمة ثلاثمائة مليار دولار مصمم خصيصاً لتحفيز الاستثمارات الدولية وتحقيق التعافي الاقتصادي، إذ تم بالفعل التعهد بأكثر من نصف هذا المبلغ الإجمالي من قبل أطراف استثمارية متعددة لتبدأ به خطوات إعادة إعمار إيران.
حوافز اقتصادية واتفاقيات مرتقبة لإنهاء الحرب المدمرة
وأكد مصدر دبلوماسي طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة رويترز أنه أن الخطة الاقتصادية الشاملة لم يتم الإعلان عنها بشكل رسمي بعد أن هذا الصندوق الاستثماري جرى تصميمه بعناية لمنح الجانبين حافزاً اقتصادياً قوياً ومباشراً لإبرام الاتفاق النهائي، وتأتي هذه التطورات المتسارعة في وقت تستعد فيه العاصمتان واشنطن وطهران للتوقيع الرسمي على بنود الاتفاق يوم الجمعة المقبل في مدينة جنيف السويسرية
وقد وردت أنباء وتقارير صحفية عديدة في وقت سابق تفيد بوجود هذا الصندوق الدولي المقترح لدعم البنية التحتية، لكن الوكالات الإخبارية العالمية كشفت للمرة الأولى أن أكثر من نصف المبلغ المستهدف جرى التعهد به والالتزام بتوفيره من قبل الشركاء، وأوضحت المصادر أن هذا الصندوق لن يعتمد على الخزائن الحكومية بل سيتألف بالكامل من أموال وضخ القطاع الخاص العالمي
وفي سياق متصل علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع الاقتصادية مؤكداً أن التقرير الصحفي الذي تحدث عن إنشاء صندوق مالي بقيمة ثلاثمائة مليار دولار ضمن الاتفاق الأخير غير صحيح تماماً، وشدد ترامب في تصريحاته على أن الولايات المتحدة الأمريكية كحكومة وفيدرالية لا تستثمر في هذا المشروع ولا تدفع أي أموال من ميزانيتها
وكان مسؤولون ديبلوماسيون أمريكيون وإيرانيون قد أعلنوا مطلع الأسبوع الجاري توصلهم إلى اتفاق شامل بشأن إطار عمل متكامل يهدف إلى إنهاء الحرب العسكرية العنيفة، وهي الحرب التي اندلعت شرارتها الأولى عندما شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية هجمات عسكرية واسعة النطاق ضد منشآت إيرانية في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي مما تسبب في أضرار بالغة استدعت التفكير في إعادة إعمار إيران
ويتضمن الاتفاق المبدئي المبرم بين الطرفين وقفاً فورياً وكاملاً للحصار الاقتصادي والعسكري الذي فرضته الولايات المتحدة على الأراضي الإيرانية، كما يشمل الاتفاق إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة الملاحة الدولية وهو الذي يمثل طريق إمداد رئيسي وحيوي لإمدادات النفط والغاز الطبيعي نحو الأسواق العالمية، مما يمهد الطريق لتدشين مشروعات حيوية تخدم جهود إعادة إعمار إيران
تفاصيل الصندوق الاستثماري الجديد والقطاعات الاقتصادية المستهدفة
وحول التفاصيل الدقيقة الهيكلية للصندوق الجديد أوضح المصدر المطلع أنه يمثل أداة استثمارية وتجارية تابعة للقطاع الخاص بشكل كامل وليس برنامجاً حكومياً تقليدياً لإعادة الإعمار أو تقديم التعويضات المباشرة، كما أشار المصدر إلى أن الصندوق المذكور لن يتضمن أي نوع من الأموال أو المنح أو المساعدات التي تقدمها الحكومات من ميزانياتها العامة للدول المتضررة
وأضاف التقرير أن شركات استثمارية عملاقة تتخذ من الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وآسيا وأمريكا الجنوبية وأفريقيا مقرات رئيسية لها وافقت رسمياً على الالتزام بالتمويل المستقبلي، وتشمل الاستثمارات المتنوعة التي تم التعهد بضخها قطاعات حيوية واسعة النطاق لعل أبرزها قطاع الطاقة المتجددة والتقليدية والخدمات اللوجستية المتقدمة والتصنيع الثقيل والنقل لتعزيز كفاءة البنية التحتية
وعززت وكالات الأنباء دقة روايتها الصحفية عندما نقلت عن مصدر إيراني رفيع المستوى ومطلع على كواليس المفاوضات قوله إن طهران طالبت في بداية الأمر بمبلغ أربعمائة مليار دولار، وذلك كتعويضات مباشرة عن الأضرار الجسيمة الناتجة عن العمليات العسكرية الحربية من طرف الولايات المتحدة، إلا أن واشنطن رفضت تقديم هذا المبلغ لتظهر فكرة تأسيس صندوق إعادة إعمار إيران
وأفادت التقارير الدبلوماسية الواردة من كواليس اللقاءات أن الصندوق الاستثماري المقترح سيطلق عليه رسمياً اسم صندوق إعادة الإعمار والتنمية، وأوضح المصدر الإيراني المسؤول أن الآلية المقترحة تتضمن مساهمة دول المنطقة الإقليمية بطرق تمويلية واستثمارية متعددة ومختلفة تشمل الحصول على قروض بنكية طويلة الأجل أو إنشاء خطوط ائتمانية تجارية واسعة لتمويل المشروعات المتضررة
وتشمل الخطط المطروحة في هذا الصدد تمويل عمليات الإصلاح وإعادة البناء للأماكن والمواقع الحيوية التي تضررت بصورة مباشرة من القصف الجوي والعمليات العسكرية السابقة، ويتصدر هذه المنشآت مجمع مباركة للصلب الشهير ومصافي النفط الاستراتيجية المتعددة إضافة إلى المطارات الدولية والموانئ والبنية التحتية والمرافق الخدمية المتضررة من الحرب على نطاق يشمل كافة المقاطعات والمدن الإيرانية
النفي الأمريكي الرسمي لتقديم أموال حكومية مباشرة لطهران
وعقب تداول شائعات وتقارير غير دقيقة حول تحمل الولايات المتحدة أو دول الخليج لأموال إعادة الإعمار في إيران بادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنفي تلك المزاعم، حيث كتب في منشور رسمي عبر منصته تروث سوشال مؤكداً أن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي والقصة التي تزعم دفع واشنطن مبالغ طائلة هي أخبار زائفة تروجها أطراف معارضة
ومن جانبه نفى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن يكون هذا الصندوق الاستثماري يمثل التزاماً مالياً مباشراً من ميزانية الإدارة الأمريكية الحالية، وأوضح فانس في المقابلات الصحفية أن الأمر يتعلق فقط بوعود وفرص استثمارية محتملة للشركات الخاصة وليس برنامج إعادة إعمار حكومي كما أشيع من قبل بعض حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي
وأشار نائب الرئيس الأمريكي في مقابلة تلفزيونية خاصة ومطولة مع شبكة سي بي أس الإخبارية إلى أن هذا التمويل الاستثماري الدولي يظل مشروطاً بشكل كامل بمدى تنفيذ طهران لالتزاماتها المنصوص عليها، واعتبر فانس أن بعض الأجنحة المتشددة داخل النظام الإيراني تحاول تضخيم المكاسب الاقتصادية المحتملة من هذا الاتفاق الإطاري مقابل التقليل من التنازلات المطلوبة
وشدد فانس خلال لقاءات إعلامية عدة أجراها أخيراً على أن التفاصيل التقنية الدقيقة والصياغات القانونية النهائية للصندوق ستناقش في جولات مفاوضات لاحقة تعقب توقيع الاتفاق، وأكد المسؤول الأمريكي الرفيع أن إيران لن تمنح أي فرصة للوصول إلى هذه الاستثمارات إلا إذا التزمت بالكامل بتعهداتها الصارمة بعدم بناء أو السعي لامتلاك أي سلاح نووي
مواقف الصحافة العالمية وشروط رفع العقوبات الاقتصادية
وفي ذات السياق أكدت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية نقلاً عن مصادرها المطلعة على تفاصيل المحادثات السرية أن الصندوق البالغة قيمته ثلاثمائة مليار دولار مخصص حصرياً للشركات الاستثمارية الراغبة في الدخول إلى السوق الإيرانية، وأوضحت الصحيفة الاقتصادية أن هناك رغبة حقيقية وجادة من قبل عدة شركات خاصة وأجنبية عملاقة لاستغلال الفرص المتاحة والمساهمة في مشروعات إعادة إعمار إيران
ونوهت الصحيفة البريطانية الشهيرة بأن أموال هذا الصندوق الاستثماري الخاص بالرغم من أنها لن تأتي من الخزائن الحكومية للدول إلا أن تفعيلها يظل مشروطاً برفع العقوبات الدولية، وأشارت التقارير والتحليلات الاقتصادية إلى أن من بين الشركات المهتمة ببدء الاستثمار في البلاد مجموعات تجارية وصناعية كبرى تنتمي لدول أوروبية وآسيوية وأمريكية تبحث عن فرص واعدة
ولم تذكر المصادر الصحفية حتى الآن الكيفية القانونية التي سيتم من خلالها إدارة هذا الصندوق الدولي أو الجهة والمؤسسة التي ستتولى الإشراف المباشر عليه، مشيرة إلى أن التفاصيل القانونية والفنية الأساسية لا تزال قيد الإعداد والصياغة بين الأطراف المعنية لكنها أكدت مشاركة شركات كبرى من كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية
وتبدو الأموال والأصول الإيرانية المجمدة في المصارف الخارجية بعيدة تماماً عن استثمارات هذا الصندوق المقترح وفقاً لما ذكرته تقارير إعلامية نقلاً عن مسؤولين أمريكيين بارزين، حيث أوضح المسؤولون أن أي تخفيف للعقوبات الاقتصادية المفروضة أو الإفراج عن الأصول السيادية المجمدة سيتم بناء على مراحل زمنية متعاقبة ويبقى مرتبطاً بشكل وثيق بمدى التقدم المحرز في المفاوضات النووية
آليات الفصل بين المسارات التفاوضية والجدول الزمني للتنفيذ
وقال مصدر أمريكي مطلع على خبايا الصفقة الإقليمية إن صندوق الاستثمار الجديد يعد مساراً منفصلاً تماماً عن مسار التفاوض الموازي المتعلق برفع العقوبات الأمريكية المفروضة، وذكر المصدر أن ملف الإفراج عن الأصول السيادية الإيرانية المجمدة في الخارج يتبع جدولاً زمنياً مختلفاً واصفاً المسارين بأنهما آليتان ماليتان مختلفتان تماماً وتملكان أهدافاً متباينة وضوابط تنظيمية مستقلة لكل منهما
وأكدت التقارير أنه لن يتم إنشاء الصندوق الاستثماري أو البدء في تفعيله وتشغيله على أرض الواقع إلا بعد إبرام اتفاق سلام نهائي وشامل يكون مرضياً لكافة الأطراف، وتهدف مذكرة التفاهم الإطارية بمجرد توقيعها رسمياً إلى تنظيم كامل العملية الاستثمارية خلال الستين يوماً المقبلة حيث سيعمل القائمون والمديرون مع الجانب الإيراني والمستثمرين لتخطيط المشاريع وتحديد نطاقها المستقبلي
وتشير تقديرات الخبراء الاقتصاديين إلى أن تكلفة إصلاح منشآت الطاقة والبنية التحتية المتضررة في المنطقة ستكون مرتفعة للغاية مما يتطلب جهوداً دولية منسقة، وترى الأوساط الدبلوماسية أن الاتفاق الإطاري يمثل خطوة مؤقتة في عملية تفاوضية معقدة للغاية لا تزال تواجه تحديات سياسية وأمنية جسيمة في ظل انقسام حاد داخل الكونجرس الأمريكي ومخاوف إقليمية مستمرة من تداعيات هذا الاتفاق.
تطبيق نبض
