عاجل
الخميس 11 يونيو 2026 الموافق 25 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

الخرطوم تبدأ رحلة بعث جديدة لاستعادة وجهها الأخضر المفقود

الخرطوم
الخرطوم

​في مدينة أنهكتها الصراعات المسلحة وتراجعت فيها الخدمات الأساسية بصورة غير مسبوقة، أعلنت السلطات المحلية في العاصمة السودانية عن إطلاق برنامج حضري موسع يهدف إلى إعادة تأهيل وتجميل شارع النيل.

 تسعى مدينة الخرطوم من خلال هذه الخطوة إلى استعادة نضارتها ومظهرها الجمالي المفقود بفعل الدمار، وتأتي هذه المحاولة لزيادة الرقعة الخضراء وتحسين المشهد البصري كخطوة لتعريف الفضاء العام وبث الأمل في نفوس السكان، رغم التحديات المعقدة المحيطة بالعملية.

​وحسب تقرير لموقع اندبندنت عربية، فإن الموارد المالية المحدودة تقف حائلاً بارزاً أمام تنفيذ مشاريع التجميل في مدينة الخرطوم، التي تعاني أساساً من تدهور كبير في شبكات البنية التحتية وخدمات الري، حيث تشير التقارير الهندسية إلى أن أكثر من نصف شبكات الري في وسط العاصمة تعرضت لأعطال كاملة، مما يتطلب ميزانيات ضخمة لإصلاحها وتأمين استقرار الإمداد المائي والكهربائي اللازم لاستدامة هذه المشروعات.

​ويرى خبراء الاقتصاد أن تكلفة إعادة تأهيل شارع رئيس يمتد على طول مدينة الخرطوم قد تصل إلى ملايين الدولارات، وهو ما يشكل عبئاً مالياً كبيراً على الحكومات المحلية التي تعاني من ضعف الإيرادات الذاتية الشديد، وتعتمد بشكل رئيس على التحويلات المركزية المتأثرة بالأزمة الاقتصادية العامة، مما يستدعي البحث عن شراكات ذكية مع القطاع الخاص لتمويل عمليات الإنارة والصيانة المستمرة.

أولويات السكان بين غياب الخدمات الأساسية ومشاريع التجميل الحضري

​وتواجه مشاريع التشجير في العاصمة انتقادات واسعة من متخصصي التخطيط الحضري الذين يشاركون مواطني الخرطوم مخاوفهم، حيث تعاني مساحات واسعة من الأحياء السكنية من انقطاعات مستمرة في إمدادات مياه الشرب والكهرباء وتراكم النفايات، مما يجعل مشاريع التجميل تبدو ثانوية وغير منسجمة مع الأولويات المعيشية اليومية للمواطن السوداني الذي يبحث عن مقومات الحياة الأساسية أولاً.

​وينذر التركيز على تجميل المناطق المركزية مثل شارع النيل بتعميق الفجوة التنموية بين وسط مدينة الخرطوم وأطرافها المنسية، مما قد يخلق شعوراً بعدم العدالة في توزيع الخدمات العامة بين السكان، ولذلك يطالب المختصون بضرورة تبني رؤية حضرية متكاملة تشمل جميع الأحياء السكنية على مراحل زمنية محددة، لضمان تحقيق أثر تنموي متوازن ومستدام يخدم الجميع دون تمييز.

​ويؤكد المراقبون أن نجاح أي خطة لتطوير المظهر العام مرتبط بمدى قدرتها على معالجة الأزمات الهيكلية في الخدمات، إذ إن المدن التي حققت نجاحاً في تحسين مشهدها البصري بدأت بتأمين المياه والصرف الصحي أولاً، ومن ثم انتقلت تدريجياً نحو المساحات الخضراء، وهو المسار الذي يجب أن تتبعه الإدارة المحلية لضمان الترحيب الشعبي وتفادي الرفض المجتمعي.

معضلة الاستدامة وغياب الرقابة على المشاريع المستدامة في العاصمة

​ويكشف التاريخ القريب لمشروعات التطوير في مدينة الخرطوم عن نمط متكرر يتسم بالبدايات القوية والاندفاع الحماسي الذي يتبعه تدهور سريع، وذلك بسبب الغياب التام لخطط الاستدامة والصيانة الدورية للمرافق، مما يجعل الحفاظ على المساحات الخضراء بعد إنشائها التحدي الأكبر والأكثر تعقيداً أمام الجهات التنفيذية في ظل الظروف المناخية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.

​وتقترح الكوادر المهنية المتخصصة في إدارة المشاريع إنشاء وحدات إدارية صغيرة ومستقلة تكون مسؤولة بشكل مباشر عن صيانة المساحات الخضراء في كل قطاع، بدلاً من الاعتماد على الإدارات المركزية التي أثبتت عدم فاعليتها، بالإضافة إلى ضرورة تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة وربط التقارير اليومية بمؤشرات أداء واضحة تضمن الحفاظ على المال العام من الهدر.

​ويتطلب ضمان استمرار هذه المشروعات الحضرية استخدام تقنيات ري حديثة وأنظمة ذكية تقلل من هدر المياه، فضلاً عن اختيار أنواع من النباتات والأشجار المحلية التي تمتلك قدرة عالية على تحمل المناخ الجاف، مع أهمية إشراك المجتمع المحلي في حماية هذه المكتسبات لتعزيز الشعور بالملكية العامة، لأن الاختبار الحقيقي للمشروع يقاس بقدرته على الصمود لسنوات.

تابع موقع تحيا مصر علي