عاجل
الخميس 28 مايو 2026 الموافق 11 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

أزمة ثقة.. قراءة في أسباب مقاطعة إسرائيل للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش

الأمين العام للأمم
الأمين العام للأمم المتحدة

أحدث القرار الأخير الذي اتخذته إسرائيل بوقف التعامل الدبلوماسي مع الأمين العام للأمم المتحدة صدمة قوية في أروقة السياسة الدولية.

 جاءت هذه الخطوة كذروة لخلافات مكتومة وممتدة لسنوات حول طبيعة التقارير الصادرة عن المنظمة الدولية، وتعتبر الدوائر السياسية الإسرائيلية أن الإدراج الوشيك في القائمة السوداء المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة يعبر عن انحياز هيكلي داخل الأجهزة الأممية، مما دفع تل أبيب لتبني استراتيجية هجومية استباقية تهدف إلى تقويض مصداقية التقرير الدولي والحد من تأثيراته القانونية والسياسية المستقبلية.

​ أبعاد القطيعة الدبلوماسية الإسرائيلية مع المنظومة الأممية

​وحسب تقرير لقناة القاهرة الإخبارية فإن السلوك الدبلوماسي الحالي الذي تنتهجه تل أبيب يعكس رغبة واضحة في إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع المؤسسات الدولية، وتبرر وزارة الخارجية موقفها المتشدد بأن الأمين العام يستغل فترته الولائية الأخيرة لتمرير أجندات سياسية تفتقر إلى التثبت والتحقيق الجنائي المستقل، وترى المنظومة السياسية في إسرائيل أن الاستجابة للمطالب الدولية كانت مشروطة دائمًا بتقديم أدلة حسية وحالات عينية، وهو ما لم تقدمه الفرق الأممية المكلّفة برصد وتوثيق الانتهاكات في مناطق النزاع المسلح.

​وفي المقابل يشير الموقف الرسمي لبعثة تل أبيب في نيويورك إلى أن قرار تعليق القنوات الدبلوماسية يمثّل خطوة دفاعية مبررة لحماية سمعة ومكانة الدولة في المحافل الدولية، ويؤكد السفير داني دانون أن التعامل مع الآليات الأممية القائمة في ظل القيادة الحالية بات غير مجدٍ ويخدم مصالح أطراف إقليمية معادية، معتبرًا أن تبني تقارير إعلامية عامة كركيزة لقرارات دولية مصيرية يمثل سابقة خطيرة تهدد حيادية الأمم المتحدة وتفقدها دورها كوسيط دولي نزيه في الأزمات العاصفة.

​ خلفيات التقرير الدولي حول تصنيف الانتهاكات في النزاعات

​وتكشف كواليس الأزمة الراهنة عن مسار طويل من التحذيرات المتبادلة التي بدأت منذ العام الماضي عندما لوحت الأمم المتحدة باتخاذ تدابير عقابية حازمة ضد المؤسسات الأمنية، وطلبت المنظمة الدولية من إسرائيل وضع ضوابط قانونية صارمة لمنع الاعتداءات ومحاسبة المتورطين فيها، بالإضافة إلى فتح السجون ومراكز التوقيف أمام فرق التفتيش، وهي حزمة شروط اعتبرتها الدوائر الأمنية تدخلاً في السيادة القضائية ومحاولة لفرض رقابة خارجية غير مشروعة على آليات التحقيق العسكرية الداخلية.

​ويرتبط النزاع القانوني الحالي بشهادات صادرة عن منظمات حقوقية وأممية رصدت ممارسات غير إنسانية تعرض لها محتجزون داخل منشآت تابعة للجيش، لاسيما مركز سديه تيمان الذي استقبل أعدادًا كببرة من الموقوفين في أعقاب عمليات السابع من أكتوبر، وتصر التقارير الدولية على أن تلك الانتهاكات لم تكن تصرفات فردية بل نتاج غياب الرقابة الصارمة، في حين تدفع السلطات ببذل جهود تنسيقية واسعة شملت اجتماعات رفيعة المستوى لإثبات كفاءة منظومتها القضائية في معالجة التجاوزات.

​وتوضح المراسلات الدبلوماسية أن الجانب الإسرائيلي يرى في الملحق الأممي الخاص بالعنف الجنسي أداة للضغط السياسي لا تهدف لإحقاق العدالة بقدر ما تسعى لتكريس إدانة دولية دائمة، حيث تسببت الإجراءات الأمنية المعقدة وظروف الحرب في إلغاء العديد من الزيارات الميدانية المتبادلة، مما ضاعف من فجوة عدم الثقة بين لجان التحقيق الدولية والمسؤولين في وزارتي العدل والدفاع، وقاد في النهاية إلى هذا الانسداد الدبلوماسي الكبير والتصعيد غير المسبوق.

​ منشأة سديه تيمان وتأثير التسريبات على المسار القانوني

​وترتبط هذه الأزمة البنيوية بملف منشأة سديه تيمان التي تحولت إلى محرك أساسي للإدانة الدولية بعد تسريب مقاطع مصورة توثق سوء معاملة المعتقلين، وأظهرت التحقيقات الرسمية اللاحقة وجود فجوات في منظومة الحراسة والرقابة مما سمح بتدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض، ورغم تراجع النيابة العسكرية عن توجيه اتهامات مباشرة لبعض الجنود لأسباب إجرائية، إلا أن التقرير الحقوقي الصادر عن مكتب المدعي العام أكد وجود أنماط من التعامل العنيف والممنهج.

​وتحاول إسرائيل محاصرة الآثار القانونية لهذه القضية عبر التأكيد على امتلاكها جهازًا قضائيًا مستقلاً قادرًا على التحقيق والمساءلة دون الحاجة لتدخل خارجي، وتحذر الدوائر القانونية من أن الصياغة الحالية للملحق الأممي وإدراج مؤسسات رسمية فيه سيمنح المحاكم الدولية مبررات قوية لفتح ملاحقات جنائية ضد القيادات السياسية والعسكرية، مما يهدد بتوسيع نطاق العقوبات والمقاطعة الأكاديمية والعسكرية على المستوى الدولي في الفترات القادمة.

​ويمثل قرار قطع العلاقات محاولة لفرض حصار سياسي مضاد على مؤسسة الأمين العام ودفع الدول الحليفة للتدخل من أجل تعديل مسار التقارير المستقبلية، حيث ترى الحكومة أن الرضوخ للمطالب الأممية في هذه المرحلة سينظر إليه كاعتراف ضمني بالتهم الموجهة، وتفضيل خيار المواجهة الدبلوماسية يهدف إلى إرسال رسالة حازمة للمجتمع الدولي بأن الدولة العبرية لن تقبل بتغيير وضعها القانوني في التقارير الدولية تحت أي نوع من الضغوط.

​ المآلات الاستراتيجية لتوتر العلاقات بين تل أبيب ونيويورك

​ويتوقع الخبراء أن تلقي هذه القطيعة بظلالها على التنسيق الميداني والعمليات الإغاثية التي تشرف عليها الوكالات الدولية في الأراضي المحتلة، حيث تساهم بيئة التوتر الحالية في تعقيد إجراءات منح التصاريح وحرية الحركة لطواقم الإغاثة، وتخشى الأوساط الإنسانية أن تترجم الخلافات السياسية الحادة إلى تضييقات إدارية وأمنية على الأرض، مما ينذر بموجة جديدة من التدهور المعيشي والصحي للسكان ويزيد من صعوبة احتواء الأزمات الإقليمية المتلاحقة.

​وعلى الصعيد الدولي ترتكز الإستراتيجية والدبلوماسية في إسرائيل على تفعيل شبكة علاقاتها مع واشنطن وبعض العواصم الأوروبية لتعطيل أي مفاعيل تنفيذية للقرارات الأممية، وتسعى التحركات الدبلوماسية المكثفة إلى وسم خطوة جوتيريش بالانحياز وعدم الموضوعية، في محاولة لإيجاد تكتل دولي يرفض تبني القائمة السوداء ويمنع استخدامها كمسوغ قانوني في المنظمات الاقتصادية أو المحاكم الجنائية الدولية التي تتابع بنشاط تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط.

​وتكشف هذه المواجهة المفتوحة عن عمق الفجوة بين متطلبات القانون الدولي الإنساني والحسابات الأمنية للدول في فترات الحروب، ومع اقتراب موعد الإعلان الرسمي عن التقرير تضيق مساحات المناورة الدبلوماسية للطرفين، مما يضع النظام الدولي أمام اختبار حقيقي حول مدى فاعلية أدواته الرقابية وقدرتها على فرض الالتزام بالمواثيق الدولية في مواجهة القرارات السياسية السيادية للدول الأعضاء التي ترفض الانصياع للإرادة الأممية.

تابع موقع تحيا مصر علي