عاجل
الأحد 24 مايو 2026 الموافق 07 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

من قيادة العمليات إلى المقاعد الخلفية.. تراجع نفوذ نتنياهو في حرب إيران

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

في الفترة التي سبقت الهجوم على إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد حاضر في غرفة العمليات المشتركة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بل كان يقود النقاش بثقة كاملة، متوقعاً أن تؤدي حرب إيران إلى سقوط النظام في طهران بعد ضربات عسكرية موجعة. 

كان نتنياهو يعتقد أن حرب إيران ستكون نقطة تحول تاريخية في المنطقة، حيث ستؤدي الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة إلى إزاحة النظام الإيراني بالكامل وإنهاء حلم إيران الطويل في امتلاك سلاح نووي. الضباط الإسرائيليون كانوا موجودين في القيادة المركزية الأمريكية بفلوريدا، وضباط أمريكيون كانوا في مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية بتل أبيب، حيث كانت القرارات العسكرية تُتخذ بشكل مشترك يعكس ندية حقيقية.
لكن بعد أسابيع قليلة من انطلاق حرب إيران، تبين أن التوقعات المتفائلة كانت بعيدة جداً عن الواقع، فتغير المشهد بشكل حاد وانقلب رأساً على عقب.

حسب تقرير صحيفة نيويورك تايمز، قال مسؤولان دفاعيان إسرائيليان إن إدارة ترمب همَّشت إسرائيل إلى درجة أن قادتها باتوا شبه مستبعدين من محادثات الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران. بسبب نقص المعلومات من أقرب حلفائها، اضطرت إسرائيل إلى جمع ما تستطيع معرفته عن المفاوضات بين واشنطن وطهران، عبر اتصالاتها مع قادة ودبلوماسيين في المنطقة، إضافة إلى عملياتها الاستخباراتية داخل إيران. 

هذا الانتقال من «مقعد القيادة» إلى «الدرجة السياحية» في حرب إيران قد تكون له تبعات كبيرة على إسرائيل، وخصوصاً على نتنياهو، الذي يواجه معركة انتخابية صعبة هذا العام.

الطموحات المبالغ فيها في حرب إيران

لطالما قدم نتنياهو نفسه للإسرائيليين بوصفه الشخص القادر على التأثير في ترمب، والحفاظ على دعمه. ففي خطاب متلفز مع بداية حرب إيران، وصف نفسه بأنه شريك للرئيس الأمريكي، مؤكداً أنه يتحدث مع ترمب «تقريباً كل يوم»، ويتبادلان الأفكار والنصائح «ويتخذان القرارات معاً».

دخل نتنياهو حرب إيران في فبراير، وهو يحمل طموحات كبرى لتحقيق هدف سعى إليه لعقود: وقف البرنامج النووي الإيراني نهائياً. ومع الضربات الأولى التي أطاحت بجزء كبير من القيادة الإيرانية، بدا وكأن حلماً أكبر قد يتحقق، وهو إسقاط النظام نفسه وتحقيق ما لم يستطع تحقيقه طوال عقوده السياسية الطويلة. لكن كثيرين داخل الدائرة المقربة من ترمب كانوا يعتبرون فكرة تغيير النظام غير واقعية.

وسرعان ما بدأت أولويات واشنطن وتل أبيب في التباعد بشكل واضح جداً، خصوصاً بعدما أغلقت إيران مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وضغط على ترمب للموافقة على وقف إطلاق النار. وبدلاً من أن تبدو مهزومة في نهاية حرب إيران، تصرفت إيران وكأنها خرجت منتصرة؛ لأنها نجت من الحرب فقط. أما إسرائيل، فلم تحقق أياً من أهدافها الرئيسية الثلاثة التي أعلنها نتنياهو عند بدء حرب إيران: إسقاط النظام الإيراني، وتدمير البرنامج النووي الإيراني، والقضاء على برنامج الصواريخ الإيراني. فلم يتحقق أي منها، مما يشكل فشلاً استراتيجياً حقيقياً لنتنياهو وكل طموحاته في حرب إيران.

اتفاق نووي يشبه 2015 في حرب إيران

وبدلاً من إنهاء الطموحات النووية الإيرانية، اقترح الأميركيون مؤخراً تجميد النشاط النووي الإيراني لمدة عشرين عاماً، وربما أقل وفق مقترحات لاحقة. وهذا يفتح الباب أمام اتفاق قد يشبه اتفاق 2015 النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما، والذي عارضه نتنياهو بشدة آنذاك، قبل أن ينسحب ترمب منه لاحقاً. كما أن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني قد لا يكون مطروحاً أصلاً على طاولة المفاوضات، وفق ما يعرفه المسؤولون الإسرائيليون، ما يعني أن أي اتفاق جديد قد لا يعالج إحدى القضايا التي طالما اعتبرتها إسرائيل أساسية في حرب إيران.

ويثير احتمال رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران قلقاً إضافياً لدى إسرائيل، لأن ذلك قد يمنح إيران مليارات الدولارات التي يمكن استخدامها لإعادة التسلح، ودعم حلفائها مثل حزب الله اللبناني. ورغم أن ملامح الاتفاق النهائي لا تزال غير واضحة، فإن ما يبدو مؤكداً هو أن شراكة إسرائيل مع الولايات المتحدة في حرب إيران جاءت بثمن مرتفع جداً.

 الدولة التي تفاخر طويلاً بأنها «تدافع عن نفسها بنفسها» أصبحت تُظهر اعتماداً متزايداً على قرارات ترمب واستعداداً للخضوع لها.

من شريك إلى مقاول فرعي في حرب إيران

وفي الثالث والعشرين من أبريل، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بينما كان ترمب يهدد باستئناف الحرب: «نحن فقط ننتظر الضوء الأخضر من الولايات المتحدة»، عبارة تعكس تبعية واضحة تماماً. خلال الأيام الأولى لحرب إيران، تحدث الطرفان بثقة كبيرة عن تعاونهما العسكري غير المسبوق، مع وجود ضباط إسرائيليين في مقر القيادة المركزية الأمريكية بفلوريدا، وضباط أمريكيين داخل مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية في تل أبيب، حيث كانت القرارات العسكرية تُتخذ بشكل مشترك.

لكن خلال أسبوعين فقط، أصبح واضحاً أن حرب إيران لن تحقق نصراً سريعاً كما كان يأمل ترمب. وبدأ البيت الأبيض، ومعه بعض القادة الإسرائيليين، التخلي عن فكرة إسقاط النظام الإيراني، بينما ركز ترمب على إنهاء القتال. وفق مسؤولين أمريكيين، كان ترمب يرى نتنياهو حليفاً في حرب إيران، لكنه لم يعتبره شريكاً مناسباً في التفاوض مع الإيرانيين، بل شخصاً يحتاج إلى «ضبط» عندما يتعلق الأمر بحل النزاعات.

التهميش المتعمد لإسرائيل في حرب إيران

لاحقاً، وجدت إسرائيل نفسها أقرب إلى «مقاول فرعي» يعمل تحت القيادة الأمريكية، بدلاً من شريك متساوٍ. وفي عدة مناسبات، نفَّذت إسرائيل عمليات كانت قد نسَّقتها مسبقاً مع واشنطن، قبل أن تتراجع إدارة ترمب علناً، أو تنتقد تلك العمليات بعد تنفيذها، بما في ذلك ضرب منشآت نفطية وغازية داخل إيران. كما ضغط ترمب على إسرائيل لإنهاء حملتها ضد حزب الله في لبنان بسرعة، بعد وقف إطلاق النار في ثمانية أبريل، ما فرض قيوداً على العمليات الإسرائيلية ضد خِصم تعتبره تهديداً مباشراً على حدودها.

وبالنسبة لبعض المسؤولين الإسرائيليين، كان هذا التهميش صعب القبول، خصوصاً أن إسرائيل نفَّذت خلال حرب إيران عمليات شديدة الحساسية. أما نتنياهو، فقد اضطر مراراً إلى تعديل خطابه وأهداف حرب إيران بما يتماشى مع تغير مواقف ترمب. فبعد أن كان يتحدث عن إزالة «التهديد الوجودي» المتمثل في السلاح النووي والصواريخ الإيرانية، بدأ لاحقاً يركز على قوة التحالف مع الولايات المتحدة، بدلاً من تحقيق تلك الأهداف نفسها.

الخطاب المتغير بعد فشل حرب إيران

وقال نتنياهو في اثني عشر مارس: «التهديدات تأتي وتذهب، لكن عندما نصبح قوة إقليمية، وفي بعض المجالات قوة عالمية، فإن لدينا القدرة على إبعاد الأخطار وتأمين مستقبلنا». وأضاف أن مصدر هذه القوة الجديدة هو تحالفه مع ترمب، واصفاً إياه بأنه «تحالف لا مثيل له». هذا التحول في الخطاب يعكس محاولة نتنياهو إنقاذ ما يمكن من الموقف بعد فشل أهداف حرب إيران. الصورة التي رسمها في بداية حرب إيران عن شراكة متكافئة مع ترمب تلاشت تماماً أمام الواقع المرير للعزلة والتبعية

تابع موقع تحيا مصر علي