المركزي يضغط زر الانتظار.. متى يعود خفض الفائدة؟
شهدت الأسواق المصرية حالة من الترقب قبل اجتماع البنك المركزي الأخير، وسط تساؤلات متزايدة حول اتجاه السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد موجات التضخم التي دفعت إلى دورة تشديد نقدي طويلة بهدف احتواء الضغوط السعرية والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.
هل انتهت مرحلة الخفض مؤقتًا؟
ومع قرار تثبيت أسعار الفائدة، عاد السؤال الأبرز إلى الواجهة: هل انتهت مرحلة الخفض مؤقتًا، أم أن المركزي يكتفي بالتوقف لالتقاط الأنفاس قبل استكمال المسار؟
السياسة النقدية تسعى إلى دعم الاستقرار المالي
قرار تثبيت أسعار الفائدة لم يكن مفاجئًا للكثير من المتابعين، بل جاء انعكاسًا لحسابات دقيقة يوازن خلالها البنك المركزي بين أكثر من هدف في وقت واحد؛ فمن جهة، لا تزال معدلات التضخم تحت المراقبة رغم تراجعها النسبي مقارنة بذروتها السابقة، ومن جهة أخرى، تسعى السياسة النقدية إلى دعم الاستقرار المالي والحفاظ على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه، خصوصًا في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية واستمرار حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية.
ويعكس تثبيت الفائدة في هذا التوقيت ما يمكن وصفه بـ"زر الانتظار" الذي ضغط عليه المركزي، ليس رفضًا لفكرة الخفض، وإنما رغبة في تقييم أثر القرارات السابقة ومدى انعكاسها على الأسعار والنشاط الاقتصادي. فالبنوك المركزية عادة لا تتحرك وفق توقعات الأسواق فقط، وإنما وفق بيانات ومؤشرات اقتصادية تحتاج وقتًا لإظهار نتائجها الحقيقية.
البنك المركزي المصري بات أكثر ميلًا إلى التحرك الحذر
ويرى محللون أن البنك المركزي المصري بات أكثر ميلًا إلى التحرك الحذر خلال المرحلة الحالية، خاصة أن أي خفض سريع للفائدة قد يحمل مخاطر تتعلق بعودة الضغوط التضخمية أو التأثير على استقرار سوق الصرف، في وقت لا تزال فيه البيئة الاقتصادية العالمية تواجه تحديات مرتبطة بأسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية وسياسات الفائدة لدى البنوك المركزية الكبرى.
وفي المقابل، فإن استمرار تثبيت الفائدة لفترة طويلة ليس خيارًا بلا تكلفة أيضًا، إذ إن ارتفاع تكلفة الاقتراض ينعكس على توسعات الشركات والقطاع الخاص، كما يؤثر على شهية الاستثمار والتمويل، وهو ما يجعل ملف الفائدة معادلة شديدة الحساسية بين السيطرة على التضخم ودعم النمو الاقتصادي.
ويُجمع عدد من الخبراء على أن عودة خفض الفائدة تبقى مرتبطة بمجموعة من الشروط الأساسية، في مقدمتها استمرار المسار النزولي للتضخم بصورة مستقرة وليس مؤقتة، إلى جانب استقرار سوق الصرف وتحسن مؤشرات السيولة وتراجع الضغوط الخارجية، كما يراقب المركزي عن قرب التطورات العالمية، لأن قرارات الفائدة لم تعد محلية بالكامل، بل تتأثر أيضًا باتجاهات الأسواق الدولية وحركة رؤوس الأموال.
وبحسب هذه الرؤية، فإن خفض الفائدة قد يعود إلى الطاولة خلال الاجتماعات المقبلة إذا أظهرت البيانات الاقتصادية مساحة آمنة للتحرك، خاصة إذا استمرت معدلات التضخم في التراجع وتحسنت المؤشرات الداعمة للاستقرار الاقتصادي. أما في حال ظهور ضغوط جديدة على الأسعار أو الأسواق، فقد يمتد التثبيت لفترة أطول باعتباره الخيار الأكثر تحفظًا.
وفي النهاية، يبدو أن البنك المركزي لا يغلق باب خفض الفائدة، لكنه في الوقت نفسه لا يتعجل فتحه. فقرار التثبيت الأخير يحمل رسالة واضحة مفادها أن أولوية المرحلة الحالية هي قراءة المشهد الاقتصادي بهدوء والتأكد من أن أي خطوة مقبلة لن تعيد الاقتصاد إلى دوائر الضغوط التي حاول الخروج منها خلال الأشهر الماضية.وبين رهانات الأسواق وتقديرات السياسة النقدية، يبقى توقيت خفض الفائدة مرهونًا بلغة الأرقام لا التوقعات، وبقدرة الاقتصاد على تقديم إشارات أكثر اطمئنانًا تسمح للمركزي بالانتقال من الانتظار إلى التحرك.
تطبيق نبض