عاجل
الثلاثاء 12 مايو 2026 الموافق 25 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

القمة الإفريقية الفرنسية.. الرئيس السيسي يرسخ مكانة مصر كقاطرة للتنمية والربط اللوجستي القاري

​افتتح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعمال القمة الإفريقية الفرنسية في العاصمة الكينية نيروبي، وسط أجواء تفاؤلية ببدء مرحلة تاريخية مغايرة تماماً لما سبقها من عقود التبعية، حيث ركزت الكلمات الافتتاحية على ضرورة إحداث تحول جذري في فلسفة العلاقات المشتركة، عبر الانتقال من منطق "المساعدات الإنمائية" التي أصبحت عبئاً على ميزانيات الدول الأوروبية المتعثرة، إلى فضاء الاستثمارات المباشرة التي تساهم في بناء اقتصادات إفريقية سيادية وقادرة على المنافسة في السوق العالمية المتغيرة بسرعة.

​وحسب «القاهرة الإخبارية»، فإن القمة التي حملت شعار "أفريقيا إلى الأمام" شهدت حضوراً دبلوماسياً رفيع المستوى، يتقدمه الرئيس السيسي الذي يمثل ثقلاً استراتيجياً في صياغة السياسات القارية، وتهدف هذه النسخة من القمة إلى وضع آليات تمويل مبتكرة تقلل من مخاطر الائتمان في الأسواق الناشئة، وتفتح الأبواب أمام الشركات الكبرى لضخ رؤوس أموال في مشاريع البنية التحتية والطاقة النظيفة، مما يعزز من فرص النمو المستدام في القارة السمراء بعيداً عن سياسات الهبات المشروطة.

​وأكد ماكرون من فوق منبر جامعة نيروبي أن حقبة "مجالات النفوذ" التقليدية في الدول الفرنكوفونية قد انتهت رسمياً، مبرراً اختيار كينيا كدولة ناطقة بالإنجليزية لتكون منطلقاً لسياسة بلاده الجديدة التي تتسم بالانفتاح والندية، وقد لاقت هذه التصريحات ترحيباً واسعاً من القادة الأفارقة الذين يطالبون منذ سنوات بإنهاء الوصاية، والعمل على بناء جسور اقتصادية تقوم على الاحترام المتبادل، والدفاع عن نظام دولي متعدد الأقطاب يحترم سيادة الدول وقواعد التجارة الحرة التي تضمن العدالة للجميع.

​وشهدت الجلسات النقاشية حضوراً مكثفاً لمديري كبريات الشركات الفرنسية والعالمية، حيث شارك الرئيس السيسي في وضع رؤية متكاملة لربط القارة بشبكات لوجستية متطورة، تعتمد على استغلال المواقع الجغرافية المتميزة لدول مثل مصر وكينيا لتأمين سلاسل الإمداد، وتطرقت المباحثات إلى ضرورة توطين التكنولوجيا في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات الدوائية، لضمان استقلال القارة في مواجهة الأزمات الصحية والاقتصادية المستقبلية، وتحويل أفريقيا من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومبتكر في الأسواق الرقمية.

بناء السيادة الاقتصادية وتجاوز الإرث التقليدي في العلاقات

​وتركز القمة الإفريقية الفرنسية على معالجة فجوات التمويل من خلال مراجعة معايير تقييم المخاطر التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية، وهو الأمر الذي يراه القادة عائقاً أمام تدفق الاستثمارات اللازمة لمشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتسعى باريس من خلال هذه المنصة إلى إثبات جديتها في دعم التحول الأخضر في أفريقيا، عبر تقديم ضمانات حكومية لشركاتها المنخرطة في مشاريع بيئية، مما يساهم في تقليل الانبعاثات الكربونية مع ضمان عوائد اقتصادية مجزية للمجتمعات المحلية والشركات المستثمرة على حد سواء.

​وعلى صعيد التحولات الجيوسياسية، فإن غياب بعض دول الساحل التي شهدت اضطرابات سياسية لم يقلل من زخم القمة، بل دفع المشاركين وعلى رأسهم الرئيس السيسي إلى التأكيد على أهمية الاستقرار السياسي كركيزة لا غنى عنها لجذب رؤوس الأموال، وأوضح الخبراء أن الاستراتيجية الفرنسية الجديدة تحاول استكشاف أسواق بكر في شرق وجنوب القارة، حيث تتوفر فرص واعدة في قطاعات النفط والمعادن والخدمات المصرفية، وهو ما يتطلب لغة دبلوماسية جديدة تتسم بالشفافية والبعد عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية المستقلة.

​وتمخضت اللقاءات الثنائية عن توقيع اتفاقيات استراتيجية بمليارات اليوروهات، شملت تطوير موانئ وسكك حديدية لربط الأسواق الداخلية بالمنافذ البحرية العالمية، مما يقلل من كلفة النقل ويزيد من تنافسية المنتجات الإفريقية، وقد لفتت التقارير إلى أن فرنسا تظل رابع أكبر مستثمر في القارة، ولكنها تسعى الآن لتنويع محفظتها الاستثمارية لتشمل القطاعات التكنولوجية والتعليمية، بهدف خلق نصف مليون وظيفة إضافية للشباب الإفريقي الذي يمثل الكتلة البشرية الأكبر والأكثر حيوية في الاقتصاد العالمي المعاصر.

مستقبل الابتكار والذكاء الاصطناعي في القارة السمراء

​وفي إطار السعي لتمكين الكوادر البشرية، ناقشت القمة سبل توطين صناعة اللقاحات وتطوير البحث العلمي المشترك، حيث يؤمن الرئيس السيسي بأن الأمن القومي الإفريقي يبدأ من تحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع والخدمات الاستراتيجية، وتعهدت الشركات الفرنسية بنقل الخبرات الفنية وتدريب المهندسين والأطباء الأفارقة، لبناء قاعدة معرفية قوية تسمح للقارة بمواكبة الثورة الصناعية الرابعة، والاعتماد على الحلول الذكية في إدارة الموارد المائية والزراعية لمواجهة التحديات المناخية التي تهدد الأمن الغذائي في مناطق واسعة من القارة.

​إن الدفاع عن تعددية الأطراف وسيادة القانون كان عنواناً بارزاً في كلمات الرئيس الفرنسي، الذي اعتبر أن الأوروبيين يمثلون شريكاً أخلاقياً واقتصادياً يرفض منطق المواجهة التجارية التي تنتهجها بعض القوى العظمى، وتطمح نيروبي من خلال استضافة هذا الحدث إلى تعزيز مكانتها كعاصمة دبلوماسية واقتصادية رائدة، تفتح آفاق التعاون بين الدول الناطقة بالفرنسية والإنجليزية، لتحقيق التكامل القاري المنشود تحت مظلة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي تعد المشروع الاقتصادي الأضخم في تاريخ المنطقة.

​وتختتم القمة أعمالها بوضع ميثاق تعاون جديد يحدد أولويات الاستثمار للسنوات العشر القادمة، مع التركيز على المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل عصب الحياة الاقتصادية، وقد شدد الرئيس السيسي في المداولات الختامية على ضرورة وجود آلية متابعة دقيقة لضمان تنفيذ التعهدات المالية على أرض الواقع، مما يعزز من مصداقية الشراكة الإفريقية الفرنسية أمام الشعوب، ويؤكد أن زمن الوعود الشفهية قد ولى، ليحل محله زمن المشروعات القائمة على الأرض التي تلمس حياة المواطن البسيط وتحقق رفاهيته.

آليات التمويل المبتكرة ودعم الاستقرار الإقليمي

​وصرح وزير الخارجية الكيني بأن القادة الأفارقة استغلوا القمة لإعادة صياغة شروط الإقراض الدولي، مطالبين بآليات أكثر مرونة تراعي الخصوصيات الاقتصادية للدول النامية، وتسهم في تخفيف أعباء الديون التي استنزفت الموارد المحلية، وقد أظهرت المؤسسات المالية الدولية الحاضرة استعداداً لمراجعة سياساتها بما يتماشى مع "رؤية نيروبي"، التي تهدف لخلق بيئة مالية محفزة للاستثمار الخاص، وتقليل الاعتماد على القروض الحكومية التي تؤدي إلى تراكم الالتزامات المالية طويلة الأمد على كاهل الأجيال القادمة.

​وتعكس البيانات الحديثة للخارجية الفرنسية تضاعف عدد فروع الشركات الفرنسية في القارة، مما يؤكد الجدوى الاقتصادية للاستثمار في أفريقيا رغم التحديات الأمنية في بعض الجيوب، ويشير الخبراء إلى أن فرنسا تحاول من خلال هذه القمة استعادة التوازن في علاقاتها القارية، عبر تقديم نموذج تعاوني جذاب يقوم على الابتكار والتحول الرقمي، وهو التوجه الذي يدعمه القادة الأفارقة بقوة، كونه يمنحهم الأدوات اللازمة لبناء اقتصاديات حديثة قادرة على الصمود في وجه التقلبات الاقتصادية العالمية والاضطرابات في سلاسل التوريد.

​وبنهاية جولة ماكرون التي ستختتم في إثيوبيا، تكون فرنسا قد وضعت حجر الأساس لسياسة خارجية جديدة تتسم بالمرونة والبراجماتية، حيث تم استبدال الخطاب التقليدي بلغة الأرقام والمشاريع المشتركة، ويظل التنسيق الوثيق بين باريس والقاهرة محورياً لضمان نجاح هذه التوجهات، نظراً للدور الريادي الذي تلعبه مصر في استقرار المنطقة، وقدرتها على قيادة المبادرات التنموية الكبرى التي تجمع بين الخبرة الدولية والطموح الإفريقي، لتحقيق النهضة الشاملة التي طال انتظارها في كافة ربوع القارة.

 

تابع موقع تحيا مصر علي