عاجل
الإثنين 11 مايو 2026 الموافق 24 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

إيران: فراغ القيادة واحتمالات الحرب الممتدة

تحيا مصر

بعد تصفية المرشد الأعلى علي خامنئي، تبدو إيران وكأنها تدخل واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، في ظل غياب شخصية تجمع بين الشرعية الدينية والثقل السياسي والقدرة الكاريزمية اللازمة لإدارة الدولة واحتواء التحديات الداخلية والخارجية المتفاقمة. فبنية النظام الإيراني لم تستند فقط إلى مؤسسات الحكم التقليدية، بل ارتكزت بصورة جوهرية على الدور المحوري للمرشد الأعلى باعتباره المرجعية العليا والضامن لتوازن العلاقة بين المؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية والعسكرية والتيارات السياسية المتنافسة. ولذلك، فإن غياب هذا المركز القيادي يفتح المجال أمام مرحلة معقدة من إعادة تشكيل توازين القوي داخل النظام، بما يحمله ذلك من احتمالات السيولة السياسية وتصاعد التنافس بين مراكز النفوذ المختلفة.

وتتفاقم حساسية هذا المشهد في ظل ما يُتداول بشأن الوضع الصحي للشخصية التي جرى اختيارها لخلافة خامنئي، إلى جانب ابتعادها النسبي عن المشهد العام، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول قدرتها على فرض التوازن داخل البنية المعقدة للنظام أو إدارة شبكة مراكز النفوذ المتداخلة داخله. وفي مقدمة هذه المراكز يبرز الحرس الثوري الإيراني، الذي لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية، بل تحول عبر العقود إلى قوة سياسية واقتصادية وأمنية، تمتلك نفوذاً واسعاً في ملفات الأمن الإقليمي والبرنامج النووي والصواريخ الباليستية، فضلاً عن إدارة شبكة العلاقات مع الأذرع والحلفاء الإقليميين لإيران في الشرق الأوسط

ومن هذا المنطلق، لم يكن من المرجح أن يقبل الحرس الثوري بكامل المطالب الأمريكية الرئيسية، المتمثلة في تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ووقف عمليات تخصيب اليورانيوم، وتسليم المخزونات الإيرانية من اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب تفكيك البرنامج الصاروخي ووقف دعم أذرع إيران الإقليمية. إذ يُنظر داخل دوائر النظام إلى هذه المطالب باعتبارها محاولة لإعادة صياغة إيران كدولة فاقدة لعناصر الردع والتأثير الإقليمي، أي أنها تُفهم باعتبارها “استسلاماً استراتيجياً” أكثر من كونها تسوية سياسية قابلة للتفاوض ، وقد اتضح ذلك من الرد الإيراني علي مقترحات التسوية والذي وصفه الرئيس ترامب بأنه مرفوض تماماً

كما أن الرهان على أن الحصار الأمريكي وحرمان إيران من عائدات البترول سيقودان حتماً إلى انهيار النظام أو دفعه إلى تقديم تنازلات جوهرية، لا يبدو رهانا مؤثراً او مضمون النتائج. فعلى الرغم من الضربات الواسعة التي تعرضت لها إيران من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وما أسفرت عنه من تدمير جانب هام من بنيتها العسكرية ومقتل عدد كبير من القيادات المؤثرة، فإن ذلك لم ينجح في إسقاط النظام أو انتزاع تنازلات استراتيجية منه. واليوم، تبدو إدارة ترامب وكأنها تراهن مجدداً على أن تشديد الحصار البحري وخنق الصادرات الإيرانية وفرض المزيد من العقوبات قد يحقق ما عجزت عنه القوة العسكرية المباشرة، غير أن احتمالات نجاح هذا المسار تبقى موضع شك كبير

فالتجارب التاريخية، سواء في إيران أو في دول أخرى خضعت لعقوبات طويلة الأمد، تُظهر أن الأنظمة ذات الطابع العقائدي غالباً ما تمتلك قدرة عالية على التكيف مع الضغوط الاقتصادية، بل وتوظيفها في إعادة تعبئة الداخل وتعزيز الخطاب القومي الشعبوي. وفي كثير من الأحيان، لا تؤدي الضغوط الخارجية إلى إضعاف مراكز التشدد داخل هذه الأنظمة، بل تمنحها مبررات إضافية لتشديد قبضتها السياسية والأمنية، انطلاقاً من اعتبار أي تنازل كبير في مثل هذه الظروف بمثابة اعتراف بالهزيمة وتقويض لهيبة الدولة والنظام معاً

وفي المقابل، فإن الحديث عن إمكانية التوصل إلى تفاهمات جزئية بين واشنطن وطهران لا يعني بالضرورة أن المنطقة تتجه نحو الاستقرار. فحتى في حال التوصل إلى تفاهمات محدودة حول بعض القضايا، فإن ذلك سيتطلب آليات صارمة للتحقق والمراقبة (Verification and Monitoring)، وهو ما يفتح الباب أمام جولات جديدة من الشكوك والاتهامات المتبادلة ومحاولات المراوغة السياسية والفنية، خاصة في ظل تراجع الثقة بين الطرفين بعد سنوات طويلة من التصعيد والعقوبات والعمليات الأمنية والعسكرية المتبادلة ، يضاف الي ذلك العامل المتصل بانه بدلاً من أن تُظهر الحرب قوة أمريكا، كما ادعى مؤيدوها مراراً، فقد كشفت عن الولايات المتحدة باعتبارها قوة غير قادره عن إنهاء ما بدأته. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى سلسلة من التفاعلات حول العالم

أما إذا لجأت الولايات المتحدة إلى استئناف العمليات العسكرية، فإن التداعيات لن تبقى محصورة داخل الإقليم، بل ستتحول إلى أزمة دولية واسعة النطاق تفرض تحديات سياسية واقتصادية وأمنية تفوق التصورات التقليدية، فإيران تمتلك أوراق ضغط متعددة، تبدأ من قدرتها على تهديد الملاحة البحرية والتأثير في اسعار الطاقة،فضلاً عن شبكة حلفائها الإقليميين المنتشرين في أكثر من ساحة توتر في الشرق الأوسط.

ويتمثل التحدي الأخطر أمام العالم في احتمال استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم ومن خلاله اثبتت ايران القدرة على احتجاز سوق الطاقة العالمي كرهينة ، فاستمرار تعطّل هذا الممر الحيوي سيعزز من احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في مرحله ممتده من “الكساد التضخمي” مع تواصل ارتفاع أسعار البترول والغاز والأسمدة والسلع الغذائية وتكاليف النقل والسفر، فضلاً عن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية واتساع حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية، وفي هذه الحالة، لن تُقرأ الحرب باعتبارها مجرد مواجهة جيوسياسية، بل باعتبارها صدمة اقتصادية عالمية متعددة الأبعاد، تضرب الاقتصادات الصناعية والناشئة على السواء، وتدفع البنوك المركزية والحكومات إلى خيارات بالغة الصعوبة بين احتواء التضخم أو تجنب الركود

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الآراء التي ترجّح أننا أمام أزمة ممتدة وأكثر قابلية للتصعيد أكثر واقعية من التصورات التي تفترض اقتراب انفراجة حقيقية أو تسوية شاملة للأزمة الراهنة. فالتشابك بين الحسابات الأمنية والعقائدية والاقتصادية، واتساع الفجوة بين ما تعتبره واشنطن “ شروط ضرورية” وما تنظر إليه طهران باعتباره تهديداً لجوهر النظام ومصادر بقائه ونفوذه، يجعل من الصعب تصور نهاية سريعة لهذه المواجهة. وبالتالي، فإن المنطقة قد تكون بصدد دخول مرحلة طويلة من عدم اليقين، تتداخل فيها أزمات القيادة والحرب والطاقة والاقتصاد العالمي في مشهد مفتوح على احتمالات متعددة، أكثرها خطورة استمرار الاستنزاف والتصعيد دون أفق واضح لتسوية مستقرة.

 

السفير عمرو حلمي 

تابع موقع تحيا مصر علي