عاجل
الأحد 10 مايو 2026 الموافق 23 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

بين التاريخ والواقع..إيران تكرر تجارب القوى الاستعمارية في خنق المضائق

مضيق هرمز
مضيق هرمز

​تسعى إيران اليوم إلى فرض واقع جيوسياسي جديد عبر محاولة السيطرة على مضيق هرمز الذي يعد الشريان الحيوي لتجارة النفط العالمية، حيث تسببت هذه التحركات في خلق حالة من التوتر الشديد مع القوى الدولية الكبرى التي ترى في هذه الخطوة تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي، مما يعيد إلى الأذهان صراعات تاريخية مريرة حول السيادة على الممرات المائية الدولية التي ربطت بين الشرق والغرب لقرون طويلة.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت"  فإن الملاحة عبر مضيق هرمز ما زالت محفوفة بالمخاطر الجسيمة على الرغم من التقارير التي تتحدث عن اقتراب واشنطن و إيران من اتفاق إطاري، حيث يهدف هذا الاتفاق المحتمل إلى إعادة حركة التجارة إلى طبيعتها بعد شهور من التوتر العسكري الذي شل حركة السفن، مما يبرز كيف أصبح الموقع الجغرافي أداة قوية في يد الدول للضغط السياسي.

​دخلت الحرب بين القوى الدولية و إيران شهرها الثالث مع استمرار المواجهات المسلحة المتقطعة التي أثرت بشكل مباشر على إمدادات الطاقة العالمية، حيث يمر عبر هذا المضيق الضيق أكثر من ثلث تجارة النفط والغاز الدولية المحمولة بحراً، مما يجعل أي اضطراب فيه يؤدي إلى قفزات جنونية في الأسعار العالمية، وهو ما دفع إدارة دونالد ترمب لإطلاق "مشروع الحرية" في محاولة لتأمين عبور السفن العالقة.

​أدى النهج الذي اتبعته إيران إلى إثارة عدوى من الاضطرابات حول العالم حيث سعت دول أخرى لاستغلال نفوذها الجغرافي على نقاط الاختناق القريبة، إذ طرحت إندونيسيا اقتراحاً مفاجئاً بفرض رسوم مالية على السفن العابرة لمضيق ملقا الذي يمتد لمسافة تسعمئة كيلومتر، ويعد هذا المضيق أقصر طريق بحري يربط بين شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، مما يجعله ممر العبور النفطي الأكبر والأكثر أهمية في العالم أجمع.

الإرث الدنماركي وصناعة الرسوم الملاحية

​تعود محاولات الدول لاستغلال مزايا الجغرافيا إلى ستة قرون مضت حين بدأت الدنمارك في أوائل القرن الخامس عشر فرض رسوم على السفن العابرة للمضائق التي تربط بحر الشمال ببحر البلطيق، حيث كانت السفن ملزمة بالتوقف في مدينة هلسينغور لدفع مبالغ مالية مقابل السماح لها بمواصلة رحلتها البحرية، وشكلت هذه الإيرادات في ذروتها حوالي عشرة في المئة من إجمالي الدخل القومي للدولة الدنماركية في ذلك الوقت.

​استمر هذا النظام القسري لعدة قرون بفضل الضيق الشديد في مضيق أوريسند الذي يقل عرضه عن خمسة كيلومترات، مما جعل من السهل على القوات الدنماركية مراقبة حركة السفن وتحصيل الرسوم بالقوة، ومع مرور الوقت بدأت القوى البحرية الصاعدة تبدي استياءها الشديد من هذه الممارسات التي اعتبرتها عائقاً أمام التجارة الحرة، وبدأت الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر بتهديد الدنمارك باستخدام القوة العسكرية لإنهاء هذا النظام.

​انتهى هذا النزاع الطويل عبر القنوات الدبلوماسية تحت وطأة التهديد العسكري الأميركي حيث تم التوقيع على اتفاقية كوبنهاغن عام ألف وثمانمئة وسبعة وخمسين، والتي وافقت بموجبها الدنمارك على إلغاء كافة الرسوم الملاحية نهائياً مقابل دفعة مالية واحدة تعويضية من الدول التجارية الكبرى، ومنذ ذلك الحين ساد مبدأ حرية الملاحة في المحيطات العالمية كقاعدة أساسية تحكم العلاقات الدولية وتضمن تدفق البضائع دون عوائق سياسية أو مالية.

​يرى المؤرخون أن التجربة الدنماركية كانت النموذج الأول الذي حاولت الدول من خلاله تحويل الجغرافيا إلى مصدر دائم للثروة، ولكنها أثبتت في النهاية أن القوة البحرية العالمية لا يمكن أن تقبل بتقييد حركتها من قبل دولة واحدة، وهو الدرس الذي يبدو أن بعض القوى الإقليمية تحاول نسيانه في الوقت الراهن، مما يضع النظام الدولي أمام اختبار حقيقي لاستعادة التوازن وضمان بقاء الممرات المائية مفتوحة للجميع دون استثناء.

النظام البرتغالي واحتكار تجارة المحيط الهندي

​أرست البرتغال خلال القرن السادس عشر دعائم عصر جديد من الهيمنة البحرية عبر السيطرة على مداخل المحيط الهندي لاحتكار تجارة التوابل العالمية، حيث اعتمدت استراتيجية تركز على احتلال الموانئ الاستراتيجية والقنوات الضيقة عوضاً عن التوسع في المساحات الأرضية الشاسعة، فتمكنت بقيادة أفونسو دي ألبوكيرك من السيطرة على مضيق ملقا ومضيق هرمز، مما سمح لها باعتراض كافة السفن التجارية التي تعبر بين الهند والصين والشرق الأوسط.

​استحدث البرتغاليون نظاماً ضريبياً صارماً عرف باسم "الكارتاز" أو القرطاس وهو عبارة عن ترخيص رسمي يجب على التجار الآسيويين شراؤه لضمان مرور سفنهم بسلام، وكان هذا النظام يعمل كشبكة حماية قسرية تشبه أساليب العصابات المنظمة حيث يتم مصادرة أي سفينة لا تحمل هذا التصريح، ويتم استعباد طاقمها أو إغراقهم في عرض البحر، مما مكن التاج البرتغالي من تحقيق مكاسب مالية خيالية من دماء التجار المحليين.

​كان ملاك السفن من المسلمين والهندوس والماليزيين يضطرون لدفع مبالغ طائلة في المحطات البرتغالية المنتشرة في غوا وملقا وهرمز لتجنب القرصنة الرسمية التي كانت تمارسها السفن الحربية البرتغالية، وعلى الرغم من القوة الغاشمة التي تميز بها هذا النظام إلا أنه فشل في النهاية بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل والمقاومة المستمرة من الشعوب المحلية، فضلاً عن الفساد المستشري بين المسؤولين البرتغاليين الذين كانوا يتقاضون الرشاوى لتمرير السفن دون تصاريح.

​انتهى العصر البرتغالي مع ظهور منافسين أوروبيين أكثر تطوراً في التكنولوجيا البحرية مثل شركة الهند الشرقية الهولندية والإنجليزية في أوائل القرن السابع عشر، حيث خاض الهولنديون حروباً ضارية لكسر الاحتكار البرتغالي وتفكيك القواعد الحصينة في هرمز وملقا، مما أدى في النهاية إلى انهيار نظام الكارتاز وتلاشي النفوذ البرتغالي في المحيط الهندي بعد عقود من السيطرة التي اعتمدت على خنق الممرات المائية الحيوية وابتزاز العالم تجارياً.

العصر الذهبي الهولندي وصراع الشركات الكبرى

​سيطرت هولندا خلال القرن السابع عشر على المضائق العالمية الرئيسة من خلال إنشاء إمبراطورية بحرية مهيمنة تقودها شركات تجارية مسلحة تملك صلاحيات سيادية كاملة، حيث استخدمت هذه الشركات أساطيل ضخمة لتأمين طرق التجارة واحتكار السلع الفاخرة والعبيد، وركزت جهودها على نقاط الاختناق الاستراتيجية مثل مضيق ملقا ورأس الرجاء الصالح لضمان التحكم المطلق في حركة الملاحة بين القارات، مما جعل الدولة الهولندية بمثابة القوة العظمى البحرية الأولى.

​شيد الهولنديون مراكز تجارية محصنة بشدة عند المداخل الحيوية مثل مدينة باتافيا في مضيق سوندا والتي أصبحت مركزاً لإدارة العمليات التجارية والعسكرية في آسيا، وساعدهم في ذلك ابتكار سفن "الفلوت" التي تميزت بقدرتها العالية على حمل البضائع مع الحاجة لطاقم صغير مما منحهم ميزة تنافسية كبرى في أسعار الشحن العالمية، كما عقدوا تحالفات دبلوماسية قسرية مع السلاطين المحليين لضمان بقاء المنافسين الأوروبيين بعيداً عن مناطق نفوذهم.

​امتد النفوذ الهولندي ليصل إلى جنوب أفريقيا حيث أسسوا مستعمرة كيب تاون في منتصف القرن السابع عشر لتكون محطة تموين حيوية للسفن المارة بين المحيطين الأطلسي والهندي، كما هيمنت شركاتهم على جزر الكاريبي وأجزاء واسعة من البرازيل لتحديد مسارات نقل السلع، ولكن هذا التوسع الهائل بدأ في التقلص بسبب الحروب المستمرة مع إنجلترا وفرنسا والنمو الديموغرافي المحدود الذي لم يسمح بحماية الأراضي الشاسعة والمضائق البعيدة.

​بحلول القرن الثامن عشر بدأت القوة البحرية البريطانية المتنامية في إزاحة الهولنديين من مواقعهم الاستراتيجية وأجبرتهم على التحول إلى موقف دفاعي يركز على التجارة المحدودة بدلاً من الهيمنة العالمية، ومع تصاعد الحركات القومية في المستعمرات مثل إندونيسيا انتهى الوجود الهولندي في المضائق الحيوية بجنوب شرق آسيا، مما مهد الطريق لبريطانيا لتصبح الحاكم الجديد للبحار والمحيطات في العصر الحديث وتؤسس قواعد جديدة لإدارة الممرات المائية الدولية.

السيادة البريطانية وأزمة السويس التاريخية

​أصبحت بريطانيا القوة البحرية المطلقة في العالم خلال الفترة الممتدة من عام ألف وثمانمئة وخمسة عشر وحتى الحرب العالمية الأولى حيث أنشأت شبكة عالمية من القواعد الاستراتيجية، واعتمدت لندن على مفهوم "نقاط الحراسة" للسيطرة على الطرق البحرية الرئيسة بدءاً من جبل طارق الذي يمثل بوابة المتوسط وصولاً إلى سنغافورة التي تتحكم في مضيق ملقا، مما جعل الإمبراطورية البريطانية قادرة على التحكم في عصب التجارة العالمية وتحريك أساطيلها بسرعة فائقة.

​تعززت هذه السيادة بشكل كبير بعد افتتاح قناة السويس حيث سارعت بريطانيا لشراء حصص كبيرة في القناة ثم احتلت مصر وعدن لضمان السيطرة الكاملة على الطريق الأقصر بين أوروبا والهند، وأصبح شعار "بريطانيا تحكم البحار" واقعاً لا يمكن تحديه بفضل الأسطول الملكي الذي كان يمثل معياراً للقوة العالمية، ولكن هذه الهيمنة بدأت في التلاشي نتيجة الإرهاق الاقتصادي والديون الهائلة التي خلفتها الحربان العالميتان الأولى والثانية.

​شكلت أزمة السويس عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين نقطة التحول الكبرى في التاريخ البريطاني حين أثبتت لندن عدم قدرتها على حماية مصالحها في القناة دون دعم مباشر من الولايات المتحدة، وأدى صعود الحركات القومية في الشرق الأوسط وآسيا إلى إجبار بريطانيا على الانسحاب من مواقعها الحيوية ومضائقها الاستراتيجية الواحدة تلو الأخرى، مما أفسح المجال لظهور القوة الأميركية كضامن جديد للأمن البحري العالمي وقائد للنظام الدولي المعاصر.

​انتهى العصر البريطاني رسمياً مع استسلام المواقع الحيوية مثل سنغافورة وهونغ كونغ وتفكك الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ولكن الإرث الذي تركته لندن في إدارة الممرات المائية لا يزال حاضراً في القوانين الدولية الحالية، حيث ساهمت القوة البريطانية في صياغة القواعد التي تمنع الدول من إغلاق المضائق أمام الملاحة الدولية، وهو ما تحاول القوى الحديثة اليوم التمسك به لمواجهة التحديات الجديدة التي تفرضها دول مثل إيران.

تطور القانون الدولي وحقوق العبور الملاحي

​تطور قانون البحار عبر القرون كاستجابة مباشرة للصراعات المستمرة حول المضائق والممرات المائية حيث بدأت ملامحه الأولى تظهر مع اتفاقية كوبنهاغن التي أنهت الرسوم الدنماركية القديمة، ويتمثل المبدأ الأساسي لهذا القانون في ضرورة سماح الدول بمرور السفن والبضائع عبر أراضيها ومياهها الإقليمية عندما تقتضي الضرورة ذلك، وهو ما أكد عليه توماس جيفرسون خلال مفاوضاته التاريخية مع إسبانيا لضمان حق الملاحة في نهر المسيسيبي.

​أوضحت محكمة العدل الدولية في أول قضية لها عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين أن أي مسطح مائي يربط بين بحرين مفتوحين ويستخدم للملاحة الدولية يجب أن يظل مفتوحاً أمام سفن جميع الدول دون تمييز، وجاءت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين لترسخ هذه المبادئ بشكل قانوني ملزم يحظر على الدول الساحلية فرض أي رسوم مالية أو عوائق إدارية على السفن العابرة للمضائق الدولية الواقعة ضمن مياهها.

​على الرغم من أن إيران والولايات المتحدة لم تصدقا بشكل كامل على كافة بنود الاتفاقية إلا أن واشنطن تلتزم بأحكامها المتعلقة بحرية الملاحة باعتبارها جزءاً من القانون الدولي العرفي الذي يجب على الجميع احترامه، ولذلك فإن محاولات طهران لفرض رسوم تصل إلى مليوني دولار لكل سفينة تعبر مضيق هرمز تعد انتهاكاً صارخاً للأعراف الدولية التي تم بناؤها عبر تضحيات قانونية وعسكرية استمرت لمئات السنين بهدف منع الابتزاز الجغرافي.

​تتعرض هذه الضمانات القانونية اليوم لضغوط هائلة مع ضعف النظام الدولي وتصاعد التوترات الجيوسياسية في مناطق مختلفة مثل مضيق تايوان وباب المندب، حيث يرى الخبراء أن هذه الانتهاكات ليست مجرد حوادث معزولة بل هي أعراض لحالة من التفكك في الالتزام العالمي بالقواعد المشتركة، وهو ما يحذر منه القادة الدوليون الذين يرون أن تلاشي النظام الذي تقوده الولايات المتحدة قد يعيد العالم إلى حقبة الغابة البحرية حيث تفرض كل دولة قوانينها الخاصة.

مستقبل النظام العالمي وتحديات الممرات الحيوية

​يمثل وضع مضيق هرمز اليوم اختباراً مصيرياً لمستقبل حرية الملاحة العالمية في ظل التحديات التي تفرضها إيران والتحذيرات الصينية المتصاعدة بشأن المرور العسكري عبر مضيق تايوان، حيث يرى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن النظام الدولي الذي استقر لعقود طويلة بدأ يتلاشى تدريجياً أمام طموحات القوى الإقليمية، مما يهدد بنهاية الحقبة الذهبية التي ضمنت تدفق التجارة العالمية دون انقطاع تحت الحماية الأميركية المباشرة والقوية.

​تحافظ الولايات المتحدة حتى الآن على دورها كضامن رئيس للأمن الملاحي عبر أسطولها الضخم وانتشارها العسكري في نقاط الاختناق الرئيسة، ولكن هذا الدور يواجه تحديات متزايدة بسبب تغير موازين القوى وصعود أطراف دولية تسعى لإعادة رسم الحدود والسيادة البحرية، وإذا نجحت محاولات فرض الرسوم في مضيق واحد فإن ذلك سيفتح الباب أمام دول أخرى للمطالبة بامتيازات مماثلة، مما سيؤدي في النهاية إلى انهيار كامل في سلاسل التوريد العالمية.

​إن التاريخ يعلمنا أن القوى التي حاولت خنق الممرات المائية قد حققت مكاسب مؤقتة ولكنها واجهت في النهاية تحالفات دولية أدت إلى سقوطها وتغيير قواعد اللعبة البحرية، ولذلك فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم بالتحرك بشكل موحد لضمان بقاء المضائق الدولية تحت مظلة القانون وليس تحت رحمة المصالح السياسية العابرة، لضمان استقرار الاقتصاد العالمي وحماية حقوق الشعوب في الوصول إلى الأسواق الدولية دون قيود جغرافية جائرة.

​يبقى الصراع على المضائق البحرية هو المحرك الأساسي للسياسة الدولية منذ قرون طويلة وسوف يستمر كذلك طالما ظلت الجغرافيا هي الحاكم الفعلي للتجارة العالمية، ولكن الرهان الحقيقي يكمن في مدى قدرة الدول على الحفاظ على التوازن بين سيادتها الوطنية وبين التزاماتها تجاه المجتمع الإنساني الذي يعتمد بشكل كلي على حرية العبور بسلام، وهو ما يجسده التحدي الراهن في مضيق هرمز الذي يختصر قصة صراع القوة والنفوذ في عالم متغير.

تابع موقع تحيا مصر علي