سر التراجع المفاجئ.. لماذا علق ترامب «مشروع الحرية» قبل زيارته المرتقبة للصين؟
بعد أن أعلن الرئيس ترامب بشكل غير متوقع تعليق عملية مشروع الحرية المعنية بمرافقة السفن التجارية في مضيق هرمز الذي يعد الشريان الحيوي الأهم لتجارة الطاقة العالمية لفتح آفاق جديدة ومسارات دبلوماسية مع طهران قد تنهي حالة الصراع المشتعل، يشهد العالم تحولاً جذرياً ومفاجئاً في مسار الإستراتيجية العسكرية والسياسية للولايات المتحدة في منطقة الخليج.
وحسب تقارير إعلامية دولية ووكالات أنباء عالمية تابعت التطورات المتلاحقة فإن هذا القرار يمثل تراجعاً تكتيكياً مدروساً عن عسكرة الممر المائي الدولي بعد يومين فقط من انطلاق العمليات الميدانية التي كانت تهدف إلى كسر الحصار الإيراني المفروض على حركة الملاحة مما أثار تساؤلات كبرى حول توقيت هذه الخطوة وأهدافها الإستراتيجية البعيدة المدى في المنطقة.
وجاء هذا الإعلان المباغت في وقت كانت فيه المنطقة تترقب مواجهة شاملة بين الأساطيل الأمريكية والقوات البحرية الإيرانية المنتشرة بكثافة في مياه المضيق الحساسة حيث فضل سيد البيت الأبيض إعطاء فرصة أخيرة للمفاوضات السياسية الجارية خلف الكواليس لإتمام ملامح اتفاق شامل يضمن استقرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية التي تعاني من تذبذب حاد.
وأوضح البيت الأبيض في بيان مفصل أن تعليق العمليات العسكرية لا يعني بأي حال من الأحوال رفع الحصار البحري المشدد المفروض على الصادرات الإيرانية أو التنازل عن الضغوط القصوى التي تمارسها واشنطن لتحجيم النفوذ النووي والعسكري لطهران في الشرق الأوسط بل هو إجراء مؤقت يهدف لاختبار نوايا القيادة الإيرانية ومدى جديتها في الوصول إلى تسوية نهائية.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس رغبة الإدارة الحالية في تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة النطاق قد تستنزف الموارد الأمريكية وتؤدي إلى اشتعال جبهات متعددة في وقت حساس للغاية حيث يسعى القادة في واشنطن إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلال استعراض القوة العسكرية المحدودة متبوعة بمبادرات سلام تضع الخصم أمام خيارات صعبة ومصيرية للغاية.
تحولات إستراتيجية في عملية الغضب الملحمي العسكرية
وفي سياق متصل أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن القوات المسلحة قد أنهت رسمياً المرحلة الهجومية المكثفة ضمن ما يعرف بعملية الغضب الملحمي وانتقلت فعلياً إلى وضعية دفاعية استباقية تهدف لحماية المصالح الحيوية والحلفاء في المنطقة دون الدخول في اشتباكات مباشرة قد تؤدي إلى تدهور الموقف الميداني بشكل لا يمكن السيطرة عليه لاحقاً.
وشدد روبيو في تصريحات صحفية من واشنطن على أن الهدف الجوهري لمشروع الحرية في نسخته الحالية هو تقديم المساعدة التقنية والأمنية للسفن العالقة في الممر المائي وضمان سلامة أطقم الملاحة الدولية التي تعرضت لمضايقات مستمرة من قبل الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري الإيراني والتي حاولت فرض قوانين عبور أحادية الجانب في المياه الدولية المشتركة.
وأشار الوزير الأمريكي إلى أن واشنطن لن تتردد في الرد بقوة وحسم على أي اعتداء يطال قواتها أو السفن التي تحمل العلم الأمريكي في المنطقة مؤكداً أن الجاهزية العسكرية تظل في أعلى مستوياتها رغم قرار التعليق الحالي الذي وصفه بأنه نافذة دبلوماسية قصيرة الأمد يجب على طهران استغلالها قبل فوات الأوان وضياع فرصة التهدئة الحقيقية.
ويكشف هذا التغيير في النبرة الدبلوماسية عن وجود تنسيق عالي المستوى بين وزارة الخارجية والبنتاغون لإدارة الأزمة بحرفية توازن بين الردع العسكري وبين المسار التفاوضي النشط الذي تقوده أطراف دولية وإقليمية متعددة تسعى لمنع انفجار الموقف في هرمز الذي قد يؤدي لنتائج كارثية على الاقتصاد العالمي المنهك من الصراعات والحروب التجارية المستمرة منذ سنوات.
وتشير التحليلات العسكرية إلى أن الانتقال للمرحلة الدفاعية يوفر للولايات المتحدة هامش مناورة أكبر حيث يسمح لها بمراقبة التحركات الإيرانية عن كثب دون أن تكون هي البادئة بالهجوم مما يضع عبء التصعيد على كاهل طهران أمام المجتمع الدولي في حال قررت المضي قدماً في سياسة إغلاق المضيق أو تهديد السفن التجارية العابرة بسلام في المنطقة.
المناورة الإيرانية والبحث عن واقع جديد في هرمز
على الجانب الآخر سارعت طهران إلى الإعلان عن إنشاء آلية قانونية وتقنية جديدة لإدارة حركة المرور البحري في مضيق هرمز في خطوة اعتبرها الكثيرون محاولة لفرض واقع جيوسياسي جديد يتحدى الوجود العسكري الغربي في المنطقة ويؤكد على السيادة الإيرانية الكاملة على الممر المائي الذي تراه القيادة هناك جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي الإستراتيجي.
وأكد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن بلاده لم تبدأ بعد في عملية تصعيد شاملة ضد المصالح الأمريكية في الخليج متهماً واشنطن وحلفاءها بالمسؤولية الكاملة عن تعريض أمن الملاحة للخطر عبر إرسال مدمرات حربية إلى مناطق حساسة واستفزاز القوات البحرية الإيرانية التي تقوم بمهامها الروتينية في حماية المياه الإقليمية وضمان سلامة الحدود البحرية للدولة.
وفي تطور ميداني لافت أطلق الحرس الثوري الإيراني موقعاً إلكترونياً ومنصة رقمية لتنسيق العبور الآمن للسفن العالقة في المضيق مشترطاً التواصل المباشر مع غرف العمليات التابعة له للحصول على تصاريح المرور وهو ما يمثل تحدياً صريحاً للإجراءات الأمريكية التي كانت تحاول فرض حماية دولية بعيدة عن التدخل أو الرقابة المباشرة من قبل السلطات الإيرانية.
ويرى الخبير الإيراني حسين رويوران أن تراجع الرئيس ترامب عن مشروع الحرية جاء نتيجة مباشرة للرسائل العسكرية القوية والطلقات التحذيرية التي أطلقتها القوات الإيرانية والتي منعت القطع البحرية الأمريكية من فرض سياسة الأمر الواقع في المضيق معتبراً أن التحرك الأمريكي كان مجرد مغامرة فاشلة تهدف لجس نبض الدفاعات الإيرانية وقدرتها على الرد السريع.
ونفت طهران بشكل قاطع وقوع أي خسائر في صفوف قواتها البحرية نتيجة العمليات الأمريكية الأخيرة متهمة القوات الجوية التابعة لواشنطن باستهداف قوارب صيد مدنية صغيرة والادعاء كذباً بأنها أهداف عسكرية تابعة للحرس الثوري للتغطية على الفشل في تحقيق أهداف عملية الغضب الملحمي التي لم تنجح في تغيير موازين القوى على الأرض أو في البحر.
وساطة إسلام آباد ودور القوى الإقليمية في التهدئة
لعبت باكستان دوراً محورياً في إقناع الإدارة الأمريكية بتعليق العمليات العسكرية في هرمز حيث كشف الرئيس الأمريكي أن قراره جاء استجابة لطلب مباشر من إسلام آباد ودول إقليمية أخرى تخشى من تداعيات الصراع المباشر على أمنها واستقرارها الداخلي خاصة في ظل الروابط الاقتصادية والجغرافية المعقدة التي تربط هذه الدول بكل من واشنطن وطهران.
وتمثل الوساطة الباكستانية القناة الأكثر فاعلية في الوقت الراهن لتبادل الرسائل الحساسة بين الطرفين حيث استضافت إسلام آباد جولة أولى من المفاوضات التي اتسمت بالصعوبة والتعقيد ولكنها وضعت لبنة أساسية لإمكانية التوصل إلى تفاهمات تقنية حول أمن الملاحة والحد من التسلح البحري في منطقة الخليج التي تعج بالقطع الحربية المتطورة من الجانبين.
وتشير المعطيات إلى أن التحرك الدبلوماسي الإيراني نحو الصين قد ساهم أيضاً في دفع واشنطن نحو التهدئة حيث تنظر بكين بقلق شديد إلى أي تعطيل لمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط وتمارس ضغوطاً هادئة على كافة الأطراف لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام التجارة العالمية بعيداً عن الصراعات العسكرية التي قد تؤدي لرفع أسعار النفط.
ويبدو أن القوى الدولية الكبرى تحاول صياغة إطار عمل مشترك يضمن مصالح الجميع دون الدخول في مواجهة صفرية حيث تسعى الوساطة الحالية إلى تحويل وقف الهجمات المؤقت إلى هدنة دائمة تفتح الباب أمام استئناف مفاوضات الملف النووي الذي يظل العقدة الأساسية في منشار العلاقات الأمريكية الإيرانية المتأزمة منذ عقود طويلة من الصراع والعداء المتبادل.
ورغم هذه الجهود فإن حالة من الحذر الشديد تسود الأوساط السياسية في المنطقة بسبب التجارب السابقة التي شهدت انهيار تفاهمات مماثلة في اللحظات الأخيرة نتيجة انعدام الثقة العميق بين الإدارتين حيث يخشى الكثيرون من أن تكون هذه التهدئة مجرد استراحة محارب تسبق جولة جديدة وأكثر عنفاً من الاشتباكات العسكرية في مياه الخليج الدافئة والملتهبة.
المأزق الأمريكي وصراع الأجنحة داخل الإدارة الجديدة
تواجه إدارة الرئيس ترامب تحدياً داخلياً كبيراً في الموازنة بين جناحي الصقور الذين يدفعون نحو الحسم العسكري المباشر لإنهاء التهديد الإيراني للأبد وبين جناح الحمائم الذي يفضل استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية دون التورط في حرب برية أو بحرية طويلة الأمد قد تستنزف الخزينة الأمريكية وتؤثر على شعبيته الداخلية.
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في تحليل معمق أن الرئيس الحالي يجد نفسه أمام خيارين كلاهما مر فإما الرد العسكري الحاسم على الاستفزازات الإيرانية وما يترتبع عليه من مخاطر إشعال حرب إقليمية كبرى أو تجاوز هذه الاستفزازات والمضي قدماً في المسار الدبلوماسي مع ما قد يترتب على ذلك من إظهار صورة التردد والضعف أمام القيادة في طهران.
وتشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية تحاول احتواء هذا المأزق عبر تصوير التصعيد الحالي على أنه مجرد منعطف صغير في مسار طويل من التفاوض من موقع القوة حيث يراهن البيت الأبيض على أن الضغط الاقتصادي الهائل سيجبر إيران في نهاية المطاف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات مؤلمة في ملفاتها الإقليمية والنووية الحساسة.
ويرى المحللون أن النمط المتكرر في سلوك الإدارة الأمريكية يجمع دائماً بين التهديد المباشر بالهجوم وبين تقديم غصن الزيتون في اللحظة الأخيرة وهي سياسة تهدف إلى إرباك الخصم وجعله في حالة تأهب مستمر مما يستنزف قواه الدفاعية ويجعله أكثر ميلاً للقبول بالحلول الوسط التي تطرحها واشنطن عبر الوسطاء الدوليين في اللحظات الحرجة من الصراع.
ويبقى السؤال المعلق في أروقة صنع القرار بواشنطن حول مدى قدرة الدبلوماسية على تحقيق ما فشلت فيه الأساطيل العسكرية خاصة وأن طهران أثبتت قدرة فائقة على الصمود والمناورة في أصعب الظروف مما يجعل المراهنة على انهيارها السريع أمراً غير واقعي ويتطلب نفساً طويلاً وإستراتيجية شاملة تتجاوز مجرد ردود الفعل المؤقتة على الأحداث الميدانية الجارية.
زيارة بكين المرتقبة ورسم خارطة الطريق للتسوية الشاملة
تتجه الأنظار الآن نحو الزيارة التاريخية المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس ترامب إلى العاصمة الصينية بكين في منتصف الشهر الجاري حيث من المتوقع أن يتصدر ملف مضيق هرمز والأزمة مع إيران جدول الأعمال في القمة المرتقبة مع الرئيس شي جين بينغ الذي يمتلك أوراق ضغط اقتصادية قوية على طهران يمكن استخدامها لتهدئة الأوضاع في الخليج.
وتمثل الصين الشريك التجاري الأكبر لإيران والمشتري الرئيس لنفطها مما يجعل دورها حاسماً في أي تسوية سياسية مستقبلية تهدف لإنهاء الصراع حيث تأمل واشنطن في الحصول على ضمانات صينية بوقف الدعم المالي والتقني لطهران مقابل تسهيلات تجارية في ملفات أخرى تهم بكين في إطار التنافس العالمي بين القطبين الكبيرين على النفوذ والثروة.
ويعتقد الكثير من الخبراء أن تعليق مشروع الحرية كان بمثابة بادرة حسن نية تهدف لتنقية الأجواء قبل التوجه إلى الصين لضمان نجاح المباحثات وعدم ظهور الولايات المتحدة كطرف يسعى لتفجير الأوضاع في منطقة تعتمد عليها الصناعة الصينية بشكل كامل للحصول على احتياجاتها من الطاقة الرخيصة والمستدامة عبر الممرات البحرية التي يهددها الصراع الحالي.
وفي الختام يظل المشهد في مضيق هرمز مفتوحاً على كافة الاحتمالات حيث أن ما تغير حتى الآن هو فقط مستوى الاشتباك العسكري وليس جوهر الصراع الوجودي بين واشنطن وطهران مما يبقي فتيل الانفجار قائماً بانتظار ما ستسفر عنه جولات التفاوض القادمة في إسلام آباد وما ستتمخض عنه التفاهمات الكبرى في بكين خلال الأيام القليلة القادمة.
إن قدرة الأطراف الدولية على تحويل هذه التهدئة المؤقتة إلى اتفاق دائم وشامل ستحدد ملامح النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط لعقود قادمة فإما العبور نحو سلام مستقر يضمن مصالح الجميع أو العودة إلى لغة المدافع والصواريخ التي لن تخلف سوى الدمار والخراب للجميع في منطقة لم تهدأ نيران صراعاتها منذ زمن بعيد جداً.
تطبيق نبض
