قمة بكين.. ترامب وشي جين بينج في حوار النيران الهادئة فوق رمال إيران المتحركة
تتجه الأنظار العالمية نحو العاصمة الصينية بكين حيث يستعد الرئيس الأميركي ترامب لعقد قمة استراتيجية مع نظيره الصيني شي جين بينج الشهر المقبل، في محاولة دبلوماسية معقدة تهدف إلى الحفاظ على استقرار العلاقات المتذبذبة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، إلا أن هذا المسعى نحو الهدوء يصطدم بتحديات متصاعدة تتعلق بملفات النفط الإيراني الشائكة والتنافس المحموم على ريادة قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي.
وحسب تقرير لشبكة بلومبرج ووكالات الأنباء، فقد كثفت إدارة ترامب خلال الأسبوع الماضي وتيرة التدقيق في الروابط التجارية الوثيقة بين بكين وطهران، حيث فرضت واشنطن عقوبات صارمة على شركة "هنجلي" التي تعد من كبريات شركات التكرير الخاصة في الصين، إضافة إلى استهداف نحو أربعين شركة وسفينة شحن ومحافط رقمية مرتبطة بالجمهورية الإسلامية، مما أسفر عن تجميد أصول مالية تقدر بنحو ثلاثمئة وأربعة وأربعين مليون دولار أميركي.
ووجه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت تحذيرات شديدة اللهجة للمؤسسات المالية الصينية، مشيراً إلى أن البنوك قد تواجه عقوبات ثانوية قاسية إذا استمرت بكين في توفير غطاء مالي يدعم إيرادات النظام الإيراني، فيما جددت الوزارة دعوتها الرسمية للمصارف العالمية لتجنب كافة الأنشطة المرتبطة بطهران، وهو ما يضع ضغوطاً هائلة على القنوات المالية الصينية التي تسهل عمليات شراء الطاقة والمبادلات التجارية البينية.
وفي خطوة دفاعية زادت من حدة التوتر القائم، اتخذت بكين قراراً مفاجئاً بمنع صفقة استحواذ ضخمة بقيمة ملياري دولار كانت تعتزم شركة ميتا الأميركية تنفيذها لشراء شركة "مانوس" الصينية الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، ويعتبر هذا التحرك الأبرز من نوعه لضمان بقاء التكنولوجيا المتقدمة والسيادة الرقمية داخل الحدود الصينية، وحرمان المنافسين الاستراتيجيين من الوصول إلى الابتكارات المحلية التي تعول عليها بكين مستقبلاً.
كما أعلنت السلطات الصينية هذا الشهر عن حزمة لوائح تنظيمية جديدة تهدف إلى تعزيز هيمنتها الصناعية الشاملة، حيث استهدفت هذه القوانين الشركات الأجنبية التي تحاول نقل سلاسل الإمداد الحيوية خارج البلاد أو تلك التي تلتزم بضوابط التصدير الأميركية المشددة، مما يعكس رغبة شي جين بينج في بناء درع اقتصادي يحمي الصناعة المحلية من الضغوط الخارجية التي يمارسها البيت الأبيض بقيادة الرئيس ترامب وفريقه الاقتصادي.
صراع الصفيحات التكتونية وأوراق الضغط الطاقية
وصف المحامي بن كوسترزيفا، المسؤول التجاري الأميركي السابق، العلاقة الحالية بين واشنطن وبكين بأنها تشبه اصطدام الصفيحات التكتونية التي تدفع بعضها بعضاً تحت سطح هادئ ظاهرياً، مؤكداً أن الضغط المتزايد في ملفات التجارة والتكنولوجيا قد يؤدي إلى انفجار الموقف في أي لحظة، خاصة مع سعي الطرفين في الأسابيع التي تسبق القمة إلى تحصين سلاسل الإمداد العالمية وتأمين الملكية الفكرية الحيوية لضمان التفوق الاستراتيجي.
ويسعى الرئيس الصيني من خلال إظهار القوة الفائقة في قطاع التكنولوجيا إلى تقليل قدرة الإدارة الأميركية على استخدام الوصول إلى الرقائق المتقدمة كأداة للابتزاز السياسي أو ورقة تفاوضية رابحة، إلا أن بكين تظل تواجه نقطة ضعف قاتلة تتمثل في أمن إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، حيث تمر عبره كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال المتجه للصين، وتعتمد البلاد على الشرق الأوسط في تأمين احتياجاتها النفطية.
وفي المقابل، يدخل الرئيس ترامب هذه القمة وهو يواجه انتقادات داخلية ودولية بسبب عدم قدرته حتى الآن على إنهاء الصراع مع إيران، وهو الوضع الذي وصفه المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأنه يسبب إحراجاً كبيراً للولايات المتحدة على الساحة الدولية، ومع ذلك يراهن الجانب الأميركي على أن خنق الصادرات النفطية الإيرانية عبر الضغط على الزبائن الصينيين الذين يشترون تسعين بالمئة منها قد يدفع طهران للمفاوضات.
ورغم امتناع البيت الأبيض عن التعليق الرسمي بشأن احتمال فرض عقوبات مباشرة على البنوك الصينية الكبرى، طالبت وزارة الخارجية في بكين الجانب الأميركي بضرورة التوقف الفوري عن فرض العقوبات بشكل تعسفي واستخدام ما وصفته بالولاية القضائية العابرة للحدود، معتبرة أن هذه التحركات تضر بمصالح الشركات والسيادة الوطنية، وهو ما يعكس الفجوة الواسعة في وجهات النظر السياسية والقانونية بين القوتين العظميين قبل اللقاء المرتقب.
ويرى وو شينبو، مدير مركز الدراسات الأميركية بجامعة فودان، أنه لا توجد مؤشرات حالية على تأجيل القمة للمرة الثانية رغم تصاعد الاحتكاكات الميدانية، موضحاً أن الخلافات الراهنة لا تستدعي إلغاء الزيارة إلا إذا أخفق الرئيس ترامب في معالجة القضايا الجوهرية التي تهم الصين، وعلى رأسها قضية تايوان ومبيعات الأسلحة الأميركية لها، والتي تمثل خطاً أحمر ونقطة خلاف تاريخية وجوهرية في السياسة الخارجية الصينية المعاصرة.
سباق الذكاء الاصطناعي ومعركة السيادة الرقمية
وعندما التقى شي جين بينج بالرئيس السابق جو بايدن في قمة ليما عام ألفين وأربعة وعشرين، تم التأكيد على أهمية التعاون الدولي في مجالات التكنولوجيا الحديثة، لكن الواقع الحالي يشير إلى أن المنافسة الشرسة هي التي ستطغى على المحادثات القادمة، حيث شدد المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني في اجتماعاته الأخيرة على ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي الكامل والسيطرة المطلقة على سلاسل التوريد العالمية المرتبطة بالرقائق.
وأشارت كيندرا شيفر، مديرة أبحاث سياسات التكنولوجيا، إلى أن قرار بكين بمنع استحواذ ميتا على شركة "مانوس" يمثل تحولاً نوعياً في الاستراتيجية الصينية، حيث أدركت القيادة أن ابتكاراتها باتت مطمعاً للدول الكبرى، وتعتبر أن خروج هذه الاستثمارات لمنافس استراتيجي يمثل خسارة قومية صافية، مما يستوجب حمايتها بكافة الوسائل القانونية والسياسية المتاحة لضمان عدم تسرب التفوق التقني إلى الجانب الأميركي الذي يسعى للهيمنة.
وفي أروقة واشنطن، يتزايد الضغط من أعضاء الكونجرس لإغلاق كافة الثغرات القانونية التي تسمح بتدفق التكنولوجيا الأميركية الحساسة إلى الصين، وذلك من خلال دفع مشروع قانون "MATCH" الذي يهدف لمنع شركات الرقائق الصينية من الوصول للمعدات المتطورة، ومن المتوقع أن يثير هذا المشروع في حال إقراره رداً صينياً عنيفاً، خاصة وأن بكين استثمرت موارد مالية وبشرية هائلة لتطوير صناعة محلية مستقلة لأشباه الموصلات المتقدمة.
وكشفت شركة "ديب سيك" الصينية مؤخراً عن نموذجها الجديد للذكاء الاصطناعي الذي يعمل بالكامل على رقائق شركة هواوي المحلية، في خطوة اعتبرها الخبراء بمثابة إعلان استقلال تقني عن المنظومة الأميركية، وهذا التطور يعزز من موقف المفاوض الصيني في القمة القادمة، حيث يثبت قدرة بكين على الابتكار بعيداً عن القيود الغربية، مما يقلل من فاعلية العقوبات التي قد يلوح بها الرئيس ترامب خلال المباحثات الثنائية.
وانتقد الدبلوماسي الصيني تشن شو التحركات الأميركية الأخيرة، واصفاً إياها بأنها لا تساعد على بناء علاقات بناءة، ومشيراً إلى تدخل سافر في الشؤون الداخلية للصين وإلحاق ضرر متعمد بمصالحها عبر العقوبات الأحادية، ومع ذلك، تصر الإدارة الأميركية على أن استقرار العلاقات لن يكون على حساب الأجندة الاقتصادية المحلية، وخاصة فيما يتعلق بتقليص العجز التجاري الضخم الذي يعاني منه الميزان التجاري مع بكين منذ سنوات.
تحولات الرأي العام وآمال الاستقرار التجاري
أظهرت أحدث استطلاعات الرأي الصادرة عن مركز "بيو" للأبحاث تحولاً لافتاً في نظرة الأميركيين تجاه الصين، حيث ارتفعت النسبة الإيجابية لتصل إلى سبعة وعشرين بالمئة، وهي زيادة ملحوظة مقارنة بالأعوام السابقة التي شهدت تدهوراً حاداً بسبب جائحة كوفيد وحادثة منطاد التجسس، ويشير هذا التحول في المزاج الشعبي إلى رغبة في التهدئة وتجنب الصراعات المباشرة التي قد تؤثر سلباً على الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطن الأميركي العادي.
وبحسب بيانات الاستطلاع، فإن عدداً أقل من الأميركيين باتوا يعتبرون الصين عدواً لدوداً، بينما يميل الغالبية لوصفها بالمنافس التجاري الشرس، وأبدى واحد من كل عشرة مشاركين اعتقاده بأن الصين يمكن أن تكون شريكاً للولايات المتحدة في بعض الملفات الدولية، وهذا التغير في الرؤية الشعبية يوفر مساحة مناورة سياسية للرئيس ترامب قبل توجهه إلى بكين، حيث يمكنه الموازنة بين الخطاب القوي والرغبة في تحقيق مكاسب تجارية.
وكانت العلاقات قد شهدت نوعاً من الاستقرار النسبي بعد لقاء الزعيمين في كوريا الجنوبية العام الماضي، مما ساهم في لجم الحرب التجارية التي كانت توشك على الانفجار، ومن المقرر أن يلتقي الرئيسان مجدداً في مايو المقبل بالعاصمة الصينية، وربما في جولة أخرى لاحقاً هذا العام، حيث وصف أكبر مبعوث للصين العام الحالي بأنه عام "محوري" لتحديد مسار العلاقات الدولية في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
وتشير بيانات "بيو" إلى أن الديمقراطيين أبدوا تفاؤلاً أكبر تجاه العلاقة مع بكين بزيادة ثماني نقاط مئوية، بينما ظلت آراء الجمهوريين متشددة وثابتة تجاه التهديد الصيني المتصور، كما ارتفعت الثقة في قدرة الرئيس شي جين بينج على اتخاذ قرارات متزنة بمقدار أربع نقاط، في حين تراجعت الثقة في السياسات التي ينتهجها الرئيس ترامب تجاه الملف الصيني بمقدار ست نقاط مئوية مقارنة بالعام الماضي، مما يضع ضغوطاً سياسية إضافية عليه.
وفي نهاية المطاف، يبقى الهدف المعلن للطرفين هو الحفاظ على حد أدنى من التفاهم يمنع انزلاق القوتين نحو مواجهة شاملة، حيث أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت توقعاته بتحقيق قدر كبير من الاستقرار في العلاقات الثنائية، مشدداً في الوقت ذاته على أن هذا الاستقرار لن يثني واشنطن عن هدفها الاستراتيجي في تقليص العجز التجاري وحماية التكنولوجيا القومية، مما يجعل القمة القادمة فرصة أخيرة لرسم ملامح نظام عالمي جديد.
تطبيق نبض
