تعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية في سويسرا بعد الجولة الأولى بسبب تهديدات ترامب
شهدت مدينة بورجنشتوك السويسرية اليوم الأحد انطلاقة دراماتيكية لجولة محادثات جديدة تهدف إلى إنهاء الصراع في الشرق الأوسط، حيث أعلنت مصادر دبلوماسية عن تعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية بشكل مفاجئ فور انتهاء الجولة الأولى جراء مغادرة الوفد الإيراني لمقر الاجتماعات احتجاجاً على تصريحات تهديدية أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوح فيها بخيارات عسكرية مدمرة، وهو ما ألقى بظلال قاتمة على المساعي الدولية الرامية لإبرام اتفاق سلام شامل ينهي التوترات المتصاعدة في المنطقة ويثبت ركائز الاستقرار الدولي والمحلي.
وفد التفاوض الإيراني الذي يقوده رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف غادر قاعة المحادثات بشكل مفاجئ وتوجه إلى مقر إقامته تعبيراً عن رفضه القاطع للغة التهديد والوعيد التي استخدمها الرئيس الأميركي، حيث اعتبر الجانب الإيراني أن هذه التصريحات تقوض أسس الحوار الدبلوماسي وتخالف روح التفاهمات المبدئية التي جرى التوصل إليها سابقاً وتجعل استمرار هذه الجولة من المفاوضات أمراً شديد الصعوبة في ظل الضغوط السياسية والعسكرية المستمرة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أدلى بتصريحات حادة عبر منصته "تروث سوشال" قبيل ساعات قليلة من انطلاق هذه الجولة، حيث هدد بإمكانية إعادة قصف المنشآت الإيرانية وتدميرها بشكل كامل في حال فشل المفاوضات الجارية حالياً، كما لوح بفرض رسوم مرور خاصة لصالح الولايات المتحدة في مضيق هرمز أو السيطرة الكاملة عليه، مما أثار حفيظة الوفد الإيراني الذي رأى في هذه التهديدات ابتزازاً سياسياً غير مقبول يهدد مسار السلام.
وجاء هذا التطور المفاجئ بعدما أعلنت وزارة الخارجية السويسرية عن انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات بين الوفدين الأميركي والإيراني والتي استمرت لمدة ثمانين دقيقة متواصلة، حيث ركزت المحادثات في بدايتها على مراجعة البنود الفنية والتقنية الخاصة بمذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة بين الطرفين وتثبيت الهدنة العسكرية في لبنان، وكان من المقرر أن تبدأ الجلسة الثانية بعد فترة قصيرة من المشاورات الداخلية قبل أن يعلن الوفد الإيراني انسحابه الموقت.
وأشارت مصادر إعلامية من سويسرا إلى أن المحادثات تركزت بشكل رئيسي على تطبيق البند الثالث عشر من مذكرة تفاهم إسلام آباد ولبنان والتي منحت الأولوية القصوى لوقف إطلاق النار، وتتمسك طهران بضرورة الوقف الكامل للهجمات الإسرائيلية على حليفها حزب الله في جنوب لبنان كشرط أساسي للمضي قدماً في المفاوضات النهائية، معتبرة أن أي خرق لهذه الهدنة يمثل تهديداً مباشراً للاتفاق المبدئي الموقع بين الدولتين برعاية دولية وإقليمية.
وأفادت شبكة سي إن إن الأميركية نقلاً عن مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى بأن الوفدين ناقشا في الجلسة الأولى ملف المخزون النووي الإيراني بشكل موسع، حيث بدأ الاجتماع بحوار مفتوح وتنسيق عالي التركيز حول أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز والملف اللبناني الشائك، وضمت قاعات المفاوضات مجموعات فنية وتقنية متخصصة تم تشكيلها لصياغة بنود الاتفاق النهائي الشامل الذي يسعى لمعالجة كافة القضايا العالقة بين واشنطن وطهران على المدى الطويل.
وحظيت هذه الجولة بمشاركة دولية واسعة حيث حضر الوفد الأميركي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس الذي أكد في تصريحات صحفية قبيل سفره إلى أوروبا أن بلاده تلتقي بالإيرانيين بشكل مباشر لأول مرة لحل القضايا الشائكة وتأمين تقدم ملموس في الملف النووي ووقف النار في لبنان، بينما ضم الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبدالناصر همتي اللذين وصلا إلى برن لمتابعة تنفيذ التزامات واشنطن.
وشهدت أروقة المؤتمر جهوداً حثيثة من الوسطاء الدوليين حيث قادت دولة قطر وجمهورية باكستان مساعي دبلوماسية مكثفة لتقريب وجهات النظر وتهيئة بيئة إيجابية تضمن استمرار المفاوضات، وأوضح المتحدث باسم الخارجية القطرية الدكتور ماجد بن محمد الأنصاري أن الدوحة تعمل بالتنسيق مع إسلام آباد وكافة الشركاء في المنطقة لتشكيل مجموعات متابعة تعنى بتنفيذ بنود مذكرة التفاهم وبناء الثقة بين الطرفين لضمان الوصول إلى اتفاق دائم.
وعبر رئيس وزراء باكستان شهباز شريف الذي وصل شخصياً إلى مقر الاجتماعات برفقة قائد الجيش عاصم منير عن تفاؤله الكبير في بداية اليوم واصفاً الحدث بأنه يوم عظيم سيؤدي إلى تحقيق السلام العالمي، وأكدت الخارجية الباكستانية مواصلة دعمها الكامل للتفاهمات التي تم التوصل إليها سابقاً مشيرة إلى عقد لقاءات ثنائية مكثفة مع وفود أميركا وإيران وقطر وسويسرا لاحتواء الأزمة الراهنة ومحاولة إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات.
وكانت هذه المحادثات الدبلوماسية قد أُرجئت من يوم الجمعة الماضي بسبب التصعيد العسكري المفاجئ في جنوب لبنان ومقتل أربعة عسكريين إسرائيليين بنيران حزب الله، وهو ما أدى إلى تدهور الأوضاع الميدانية وتبادل الاتهامات بخرق الهدنة بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين اللبنانيين، مما دفع طهران لإغلاق مضيق هرمز مؤقتاً عبر بيان رسمي لغرفة العمليات المركزية التابعة لقواتها المسلحة رداً على ما وصفته بالانتهاكات المستمرة من جانب إسرائيل.
ورغم إعلان القيادة المركزية الأميركية أن المرور الآمن في الممرات المائية الدولية لا يزال قائماً وأن قواتها في حالة يقظة تامة لمواجهة أي طارئ، فإن التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران تزيد من تعقيد المشهد السياسي والدبلوماسي، ويبقى الأمل معقوداً على جهود الوساطة التي تحظى بدعم وتأييد واسع من قِبل المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة وتركيا لإقناع الوفد الإيراني بالعودة لمواصلة المفاوضات المتعثرة.
ويأتي هذا الحراك الدبلوماسي بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن بُعد ليل الأربعاء الماضي على مذكرة تفاهم أولية تنص على وقف الحرب الشاملة وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، لكن التصريحات الأخيرة لترامب أعادت الأمور إلى المربع الأول وأظهرت الصعوبات البالغة التي تواجه المفاوضات الساعية لوضع حد نهائي للنزاع المسلح الذي يهدد استقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها.
تداعيات تصريحات ترامب على مسار العمل الدبلوماسي بين واشنطن وطهران
تسببت التغريدات والبيانات الهجومية التي نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إحداث هزة عنيفة داخل أروقة قصر المؤتمرات السويسري حيث اعتبرها الجانب الإيراني تراجعاً صريحاً عن الالتزامات المبدئية التي تم التوقيع عليها في مذكرة التفاهم المشتركة، ويرى مراقبون أن هذه التهديدات العسكرية المباشرة تهدف إلى الضغط على طهران لتقديم تنازلات إضافية في الملف النووي وملف الصواريخ الباليستية ونفوذها الإقليمي مما أدى إلى عرقلة جولة المفاوضات الحالية.
ونظراً لحجم الخلافات المتراكمة فإن لغة التصعيد العسكري تزيد من قلق الأطراف الوسيطة مثل قطر وباكستان اللتين تبذلان جهوداً جبارة لمد جسور الثقة بين الطرفين وتجنب انهيار العملية السياسية بالكامل، وتطالب إيران بضمانات دولية مكتوبة تمنع الولايات المتحدة من فرض عقوبات جديدة أو التلويح بالقوة العسكرية أثناء سير المفاوضات، مؤكدة أن احترام السيادة الوطنية هو الشرط الأساسي لإنجاح أي حوار دبلوماسي يهدف لإنهاء الصراعات.
وتسعى الدبلوماسية السويسرية بالتعاون مع البعثات الخليجية والآسيوية إلى صياغة مسودة تفاهم جديدة ترضي الطرفين وتسمح باستئناف الجلسات التقنية المغلقة وتجاوز عقبة التصريحات الرئاسية الحادة، ويرى الخبراء أن الساعات القادمة ستكون حاسمة لتحديد مصير هذه المفاوضات فإما أن ينجح الوسطاء في إعادة الوفد الإيراني إلى طاولة الحوار أو تدخل المنطقة في موجة جديدة من التصعيد العسكري والاقتصادي غير المحسوب العواقب.
موقف القوى الإقليمية والدولية من أزمة انسحاب الوفد الإيراني
أعربت قوى إقليمية بارزة تشمل المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وتركيا عن دعمها الكامل لمسار الحل الدبلوماسي وحث الطرفين على ضبط النفس والعودة السريعة إلى المفاوضات، وتلعب هذه الدول دوراً محورياً في دعم جهود الوساطة القطرية الباكستانية نظراً للإدراك الشامل بأن استمرار النزاع المسلح في المنطقة يضر بمصالح الجميع ويعيق خطط التنمية الاقتصادية والتجارة الدولية عبر الممرات المائية الحيوية.
وفي ذات السياق أكد الاتحاد الأوروبي أهمية الحفاظ على القنوات الدبلوماسية مفتوحة ودعا واشنطن وطهران إلى الالتزام الكامل ببنود مذكرة تفاهم إسلام آباد كقاعدة أساسية للانطلاق نحو السلام، وحذرت القوى الكبرى من أن فشل المفاوضات قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على سوق الطاقة العالمي خاصة في ظل التهديدات المستمرة بإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية يومياً.
وتكثف العواصم العربية والآسيوية اتصالاتها الهاتفية مع قيادات البلدين لتقليل حدة التوتر وطرح مبادرات تسوية مؤقتة تسمح بمواصلة اللقاءات الفنية بين الخبراء بعيداً عن الأضواء الإعلامية، وتراهن الأطراف الدولية على رغبة الرئيسين ترامب وبزشكيان في تحقيق إنجاز سياسي وتاريخي ينهي عقوداً من العداء، مما قد يسهم في تذليل العقبات الراهنة وإعادة إطلاق المفاوضات المتعثرة في القريب العاجل.
مستقبل مضيق هرمز والملف النووي في ظل التوترات الراهنة
يبقى ملف الأمن الملاحي في مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني من أعقد الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات في سويسرا حيث يمثل كل منهما أوراق ضغط استراتيجية متبادلة بين القوتين الكبريين، وتشترط واشنطن تقليصاً فورياً لمخزون اليورانيوم المخصب وإخضاع المنشآت الإيرانية لرقابة دولية صارمة وشاملة مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على الموانئ والقطاعات الحيوية في إيران وتأمين حرية الملاحة البحرية.
بالمقابل تصر طهران على أن تطوير قدراتها النووية السلمية هو حق سياسي مشروع لا يمكن التنازل عنه وتطالب برفع كامل وفوري لجميع العقوبات الأميركية قبل البدء في اتخاذ خطوات تنفيذية ملموسة، ويعتبر إغلاق مضيق هرمز من قبل القوات الإيرانية ورقة تحذيرية واضحة للمجتمع الدولي تأكيداً على قدرتها على التأثير في حركة التجارة والاقتصاد العالمي إذا تعرضت مصالحها وأمنها القومي لتهديد حقيقي ومباشر.
ويتوقع المحللون السياسييون أن تشهد المفاوضات جولات ماراثونية قد تمتد لعدة أشهر بسبب تشابك القضايا الفنية والسياسية والحاجة إلى صياغة آليات مراقبة وتنفيذ دقيقة وموثوقة من قبل الطرفين، وسيتوقف نجاح هذه المساعي على مدى استعداد الإدارة الأميركية والقيادة الإيرانية لتقديم تنازلات متبادلة وشجاعة تضمن تحقيق الأمن والاستقرار الدائم في منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع.