إسرائيل تواجه صدمة سياسية عقب اقتراب الاتفاق الأميركي الإيراني في جنيف (تقرير)
تجد إسرائيل نفسها في مواجهة واقع سياسي وأمني بالمرارة، مع اقتراب الولايات المتحدة الأميركية وإيران من توقيع مذكرة تفاهم رسمية لإنهاء الحرب القائمة بينهما، وفتح مسار متجدد وجديد للمفاوضات المتعلقة بالملف النووي، بعد أن كانت تل أبيب تراهن على الاستمرار في التصعيد العسكري كوسيلة أساسية، تضمن من خلالها إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه كلياً وتفكيك ترسانته النووية والصاروخية.
وحسب تقرير لموقع الشرق الإخباري، تتصاعد في هذه الأثناء داخل إسرائيل حدة الأصوات السياسية المنتقدة لهذا التقارب الدبلوماسي المفاجئ، وسط مخاوف متزايدة من أن يمنح هذا الاتفاق المرتقب طهران متنفساً سياسياً واقتصادياً كبيراً، دون الحصول على ضمانات كافية وصارمة تحمي المصالح الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية، ما يضاعف من حجم الضغوط الملقاة على عاتق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يقود بلاده في مرحلة حرجة تسبق الانتخابات المقبلة.
إسرائيل خارج التأثير والتآكل في الردع
وتشير القراءات المتداولة في الأوساط السياسية والأمنية بوضوح، إلى أن أبرز ما كشفته هذه التطورات الأخيرة هو التراجع الحاد في قدرة إسرائيل على توجيه أو التأثير في القرارات الاستراتيجية الأميركية المرتبطة بالملف الإيراني، خصوصاً أن كواليس المفاوضات ومساراتها المتعددة جرت بمعزل كامل عن المشاركة الإسرائيلية الفعلية، مما عمق الشعور السائد لدى النخبة الحاكمة بأن واشنطن لم تعد تمنح الاعتراضات والتحفظات الأمنية الإسرائيلية ذات الوزن والتأثير اللذين كانت تحظى بهما تاريخياً.
وتسود حالة عارمة من الاستياء الشعبي والسياسي في الشارع الإسرائيلي، جراء ما يوصف بالصدمة السياسية الكبرى الناتجة عن التحول المفاجئ في الموقف الأميركي الرسمي تجاه طهران، وتحديداً مع قرب توقيع مذكرة التفاهم المقررة في العاصمة السويسرية جنيف لإنهاء الأعمال القتالية، حيث يرى المجتمع الداخلي في إسرائيل أن الحرب انتهت دون تحقيق الهدف الأسمى المتمثل في إحباط المشروع النووي الإيراني، مما يهدد المستقبل السياسي لنتنياهو الذي قد يواجه عقوبات بالسجن.
وفي ذات السياق تقدر الدوائر الاستخباراتية في إسرائيل، أن طهران ستجني مكاسب وفوائد اقتصادية فورية وهائلة بمجرد دخول التفاهمات حيز التنفيذ، وذلك عبر تخفيف العقوبات الدولية المفروضة عليها وزيادة حجم صادراتها النفطية، بالإضافة إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية وضخ الأموال التي كانت مجمدة في المصارف العالمية، وتخشى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن تساهم هذه الموارد المالية الضخمة في تمكين طهران من إعادة بناء وتطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية، وتعزيز نفوذها وتغلغلها الإقليمي.
ويرى طيف واسع من المحللين في إسرائيل، أن الاتفاق بشكله الحالي لا يفرض أي قيود واضحة وصارمة أو فورية على بنية برنامج إيران النووي، لاسيما وأن آليات الرقابة الدولية ومنظومة التفتيش والتطبيق الفعلي لا تزال من الملفات الشائكة وغير المحسومة في الغرف المغلقة، مما يدفع الأوساط الإسرائيلية للنظر إلى هذه المذكرة باعتبارها تمنح الجانب الإيراني المزيد من الوقت والموارد الثمينة، قبل الشروع في معالجة جوهر وجذور المعضلة النووية.
تحفظات نتنياهو وثغرات الاتفاق
وقد حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إعلان أن إسرائيل ليست طرفاً في هذا الاتفاق المبرم مع إيران، مؤكداً في الوقت ذاته أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يزال ملتزماً بتفكيك برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني وفرض قيود مشددة على برنامجها الصاروخي، غير أن هذه التصريحات التطمينية لم تفلح في كبح جماح الانتقادات الداخلية الموجهة للحكومة، التي فشلت في إدراج ملف الصواريخ الباليستية ضمن تفاهمات واشنطن.
وتركز أبرز السهام النقدية الموجهة من المعارضة في إسرائيل، على أن التفاهمات الأميركية الإيرانية الرامية لإنهاء الحرب لم تتعامل بجدية أو حسم مع ملف الصواريخ الإيرانية، أو مع الدعم المالي والعسكري المتواصل الذي تقدمه طهران لحزب الله اللبناني والفصائل الفلسطينية والجماعة الحوثية في اليمن، حيث تعتبر المنظومة الأمنية في إسرائيل أن هذه الملفات والترتيبات الإقليمية تمثل ركائز أساسية وجوهرية للتهديد الإيراني الشامل، الذي لا يمكن فصله عن المسار النووي.
ويشكل هذا الاتفاق الجديد في نظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، دليلاً دامغاً على إخفاق وفشل استراتيجية الضغط الأقصى التي حاولت إسرائيل ترسيخها وفرضها لسنوات طويلة بالتنسيق مع الحلفاء، فبدلاً من الذهاب نحو تضييق الخناق وزيادة العقوبات والضغوط على طهران، اختارت الإدارة الأميركية الحالية اللجوء إلى مسار التسوية السياسية والتفاهم الدبلوماسي، وهو ما يفسر في العمق الإسرائيلي بأنه تراجع مقلق وضار جداً بسياسة الردع الإقليمية.
أزمة الثقة المستعرة مع واشنطن
وتحولت هذه التطورات الدبلوماسية الأخيرة إلى رمز واضح وعنوان بارز، يعكس اتساع الفجوة وتعمق الخلافات بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية في الوقت الراهن، فبالنسبة لقطاع عريض من صناع القرار في إسرائيل، لا تتوقف الأزمة الحقيقية عند حدود البنود والنصوص الواردة في الاتفاق النووي وحسب، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى حقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية قد مضت قدماً في مسارها الدبلوماسي، رغم كافة التحفظات والتحذيرات الشديدة.
وتواجه الدولة العبرية حالياً مرحلة حرجة من الانقسام الداخلي الحاد، حيث تتداخل الحسابات السياسية الحزبية مع القضايا الأمنية المصيرية المرتبطة بمستقبل الصراع مع إيران، وتعيش إسرائيل على وقع ترقب شديد لما ستحمله الأيام المقبلة من إعلان رسمي لبنود الاتفاق، وتأثيرات ذلك المباشرة على الجبهات المشتعلة في المنطقة، خصوصاً في ظل إصرار بعض القيادات العسكرية الإسرائيلية على مواصلة العمليات الهجومية في لبنان لضمان عدم تآكل المكاسب الميدانية.