تقرير طبي: موجات الحر الشديدة تتجاوز الإجهاد الجسدي وتضرب الاستقرار النفسي
كشف تقرير طبي وعلمي حديث، نشرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، عن الأبعاد الخفية للموجات الحارة وتأثيراتها المباشرة على الصحة النفسية والعقلية للإنسان.
وأكد التقرير أنه في الوقت الذي ينصب فيه الاهتمام الجماهيري عادةً على مناقشة التداعيات الجسدية الظاهرة لارتفاع درجات الحرارة — مثل ضربات الشمس، والإعياء، والإجهاد الحراري — فإن الأبحاث الميدانية أثبتت أن الأجواء القاسية تلعب دوراً محورياً في إحداث تقلبات حادة في المزاج، وتنامي مشاعر التوتر، والقلق، والعصبية المفرطة.
وأوضح الخبراء أن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة يُحدث تبدلات فسيولوجية وبيولوجية معقدة داخل الدماغ البشري؛ حيث تؤدي الحرارة إلى اضطراب كيميائي في إفراز النواقل العصبية المسؤولة عن تنظيم الاستقرار النفسي، بالتزامن مع قفزة في مستويات هرمونات التوتر في الدم، الأمر الذي يفقد الأفراد القدرة الطبيعية على التحكم في انفعالاتهم وسلوكياتهم اليومية.
اضطرابات النوم وتأثيرها على معالجة الانفعالات
وربط التقرير بين تدهور الحالة المزاجية خلال الصيف وبين أزمة اضطرابات النوم والأرق التي تصاحب الارتفاع الليلي لدرجات الحرارة؛ إذ يفشل الجسم في خفض حرارته الداخلية إلى المستويات اللطيفة اللازمة للاستغراق في نوم عميق ومريح. وينتج عن ذلك استيقاظ متكرر للمرء، لا سيما خلال مرحلة "حركة العين السريعة" (REM)، وهي المرحلة الفسيولوجية المحورية المنوط بها معالجة المشاعر، وترسيخ الذكريات، وتفريغ الشحنات النفسية السلبية.
ويؤدي الحرمان من هذه المرحلة الحميمة من النوم إلى إضعاف آليات المقاومة النفسية، وتراجع القدرة على تنظيم الانفعالات؛ مما يجعل الأشخاص أكثر تحسساً للمواقف الحياتية البسيطة، فتبدو المشكلات الصغيرة والتافهة أكثر إزعاجاً وعمقاً من المعتاد، وهو ما يفسر تصاعد حدة الخلافات والتوترات الاجتماعية والعمالية داخل المنازل ومقار العمل وفي الشوارع العامة خلال الأيام الحارة.
كيف تسرق الحرارة دماء الدماغ؟
وعلى الصعيد المعرفي والإدراكي، كشف التقرير عن آلية دفاعية يقوم بها الجسم البشري لمواجهة الحر، تؤثر سلباً على وظائف العقل مثل التركيز، والذاكرة، وسرعة البديهة؛ فحينما ترتفع حرارة الجو، يضطر الجسم إلى توجيه تدفق الدم والتروية الدموية بشكل أكبر نحو الجلد والأطراف للمساعدة في عملية التبريد الخارجي وإفراز العرق، مما يترتب عليه تلقائياً نقص نسبي في كميات الدم المحملة بالأكسجين الواصلة إلى المراكز العليا للدماغ المسؤولة عن التفكير المنطقي، وتحليل البيانات، واتخاذ القرارات الصائبة.
علاوة على ذلك، يؤثر الإجهاد الحراري بشكل مباشر على التوازن الدقيق للمواد الكيميائية العصبية المرتبطة بآليات التعلم والانتباه، وتتضاعف هذه الأزمة الإدراكية مع فقدان الجسم للسوائل والأملاح المعدنية الحيوية، مما يقود إلى بطء شديد في معالجة المعلومات وإجهاد ذهني مستمر.
الجفاف البسيط.. عدو خفي يرفع هرمونات التوتر
وفي سياق متصل، حذر المتخصصون من خطورة الجفاف، مؤكدين أن نقص السوائل في الجسم — حتى وإن كان طفيفاً بنسبة تتراوح بين 1% و2% فقط — يعد كافياً تماماً لإحداث تراجع ملحوظ في الأداء العقلي وتباطؤ ردود الفعل المنعكسة. ويعمل هذا الجفاف الخفي كمنشط لإفراز هرمونات الضغط العصبي، مما يرفع من احتمالات الدخول في نوبات قلق وعصبية حادة، ويقلل من قدرة المرء على تحمل الضغوط المهنية أو الأسرية.
حزمة نصائح لمواجهة الآثار النفسية للصيف
واختتم التقرير بتقديم دليل إرشادي للتعامل مع الآثار النفسية السلبية للموجات الحارة؛ حيث شدد على الآتي:
الإماهة المستمرة: ضرورة شرب كميات وفيرة ومتكاملة من المياه على مدار الساعة، دون انتظار الوصول لمرحلة الشعور بالعطش، مع تناول الأغذية الغنية بالمعادن لتعويض الأملاح المفقودة.
تأمين بيئة النوم: الحرص على تبريد غرف النوم بشتى السبل المتاحة، مثل استخدام المراوح، وأجهزة التكييف، والستائر المعتمة العازلة للحرارة والضوء لضمان ساعات نوم متصلة.
الاسترخاء وجدولة المهام: ممارسة تمارين التنفس العميق والاسترخاء في الأوقات اللطيفة من اليوم، مع ترحيل وجدولة كافة المهام الإدارية أو الفكرية المعقدة التي تتطلب تركيزاً ذهنياً عالياً إلى ساعات الصباح الباكر للاستفادة من الأجواء الأقل حرارة وحماية الخلايا الدماغية من الإنهاك.