< علاء ثروت خليل يكتب: سيادة وزير السياحة.. لدينا فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

علاء ثروت خليل يكتب: سيادة وزير السياحة.. لدينا فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل

علاء ثروت خليل
علاء ثروت خليل

في عالم يتغير كل يوم، لم تعد السياحة مجرد شواطئ وفنادق وآثار، بل أصبحت صناعة متكاملة تقوم على التسويق الذكي وصناعة التجارب والفعاليات والمهرجانات الكبرى. واليوم، وفي ظل ما تشهده المنطقة من متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، تمتلك مصر فرصة تاريخية لتعزيز مكانتها كواحدة من أهم المقاصد السياحية في العالم العربي والشرق الأوسط.

هذه الفرصة لا يجب أن تمر مرور الكرام، بل تحتاج إلى رؤية مختلفة تتجاوز الأساليب التقليدية التي اعتمدنا عليها لسنوات طويلة. فمصر ليست شرم الشيخ والغردقة فقط، رغم أهميتهما الكبيرة، لكنها أيضًا بورسعيد والإسماعيلية والعين السخنة والواحات وسيناء والساحل الشمالي والعلمين الجديدة والجلالة وغيرها من المناطق التي تمتلك مقومات سياحية هائلة لم تحصل بعد على نصيبها العادل من الترويج.

إن ملايين المواطنين في المملكة العربية السعودية ودول الخليج لا تفصلهم عن شرم الشيخ أو الغردقة سوى ساعات قليلة، وبعضهم يستطيع قضاء عطلة نهاية الأسبوع في مصر بسهولة. وهنا يبرز السؤال: لماذا لا نقدم لهم برامج سياحية متكاملة تشمل أكثر من وجهة في رحلة واحدة؟ ولماذا لا يتم تصميم باقات تجمع بين السياحة الشاطئية والثقافية والترفيهية والعلاجية والتسوق في آن واحد؟

الأمر لم يعد يحتاج إلى دعاية تقليدية، بل إلى حملات احترافية تستهدف الأسواق الخليجية والعربية بلغتها وأدواتها الحديثة، مع الاستعانة بالمؤثرين العرب وشركات السياحة الكبرى وصناع المحتوى الرقمي القادرين على الوصول إلى ملايين المتابعين يوميًا.

ومن الملفات التي تستحق اهتمامًا خاصًا ملف السياحة العلاجية. فمصر تمتلك نخبة من الأطباء الذين أصبحوا أسماء معروفة على مستوى الوطن العربي والعالم، ونجحوا في تحقيق إنجازات طبية كبيرة. فلماذا لا تتحول هذه النجاحات إلى عنصر جذب سياحي منظم ومدروس يجمع بين العلاج والاستجمام والسياحة؟

كما أن هناك سائحًا مهمًا يغيب عن كثير من الخطط التسويقية، وهو المواطن المصري المقيم بالخارج. ملايين المصريين يعودون إلى وطنهم سنويًا لقضاء الإجازات، لكن أغلبهم يكرر نفس النمط التقليدي للزيارة. وهنا يجب أن تتحرك وزارة السياحة بالتعاون مع السفارات والقنصليات المصرية بالخارج لتقديم برامج تعريفية وبطاقات سياحية ومزايا تشجيعية تمكن المصري بالخارج وأسرته من اكتشاف وجهات جديدة داخل وطنه.

لكن ما أطرحه اليوم يتجاوز السياحة التقليدية إلى مفهوم أكثر تطورًا وهو “سياحة المهرجانات”.

لماذا لا يصبح مهرجان المانجو في الإسماعيلية حدثًا دوليًا سنويًا يجذب الزوار من مختلف الدول العربية؟ ولماذا لا تمتلك كل محافظة مهرجانها الخاص المرتبط بمنتجاتها وتراثها وثقافتها؟ فدمياط يمكن أن تقدم مهرجان الأثاث، والمحلة مهرجان الغزل والنسيج، وكفر الشيخ مهرجان الأرز، وسيناء مهرجانات التراث البدوي، والأقصر وأسوان مهرجانات الثقافة والتاريخ والحضارة.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن المهرجانات أصبحت صناعة اقتصادية ضخمة تدر مليارات الدولارات وتجذب ملايين السائحين سنويًا.

كما أن شوارعنا ومناطقنا التاريخية يجب أن تعود إليها روحها الحقيقية. فالقاهرة التاريخية تستحق مشروعًا متكاملًا لإعادة الهدوء والجمال إلى شارع المعز، أحد أهم الشوارع الأثرية في العالم الإسلامي. السائح لا يأتي ليستمع إلى الضوضاء والعشوائية، بل يبحث عن تجربة ثقافية راقية تعيده إلى عبق التاريخ.

كما يجب التعامل بجدية مع السلبيات التي يشتكي منها بعض السائحين بصورة متكررة، مثل الإلحاح في البيع، والعشوائية في بعض المناطق السياحية، وضعف الإرشاد السياحي في بعض المواقع، والتعاملات الفردية غير المنضبطة التي تسيء إلى صورة مصر رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة في تطوير البنية التحتية والمزارات السياحية.

فالسائح عندما يغادر مصر لا يحمل معه صورة الأهرامات فقط، بل يحمل أيضًا انطباعه عن التجربة بأكملها. وكل تجربة إيجابية تتحول إلى إعلان مجاني لمصر، وكل تجربة سلبية تنتشر بسرعة أكبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

إننا بحاجة إلى إنتاج مئات الفيديوهات الاحترافية عن كل محافظة وكل مدينة وكل موقع سياحي، وإلى إطلاق منصة إلكترونية حديثة تعرض مصر كما تستحق أن تُرى، وإلى بناء شراكات حقيقية مع شركات السياحة العربية والعالمية.

إن مصر تمتلك حضارة لا يملكها أحد، وموقعًا لا ينافسها فيه أحد، وتنوعًا سياحيًا يصعب أن يجتمع في دولة واحدة. وما نحتاجه اليوم ليس اكتشاف كنوز جديدة، بل تقديم كنوزنا للعالم بطريقة جديدة.

سيادة وزير السياحة..

لدينا فرصة تاريخية.

ولدينا مقومات استثنائية.

ولدينا سوق عربي وخليجي ضخم على أبوابنا.

لكن النجاح لن يتحقق بالطرق القديمة، بل بفكر جديد يواكب العصر ويحول مصر إلى تجربة سياحية متكاملة، تجعل السائح يأتي مرة أولى، ثم يعود مرات ومرات.

فالسياحة لم تعد مجرد صناعة للدخل القومي، بل أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة وبناء الصورة الذهنية للدول، ومصر تستحق أن تكون في المكانة التي تليق بتاريخها وحضارتها ومكانتها بين الأمم