ترامب يبحث عن نصر سياسي.. واشنطن تسعى لفرض سيناريو فنزويلا في كوبا
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من حدة لهجته السياسية والتهديدية تجاه كوبا خلال الأسابيع الأخيرة مؤكداً أنه قادر على فعل أي شيء يريده حيال الجزيرة الكاريبية في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بها ومشيراً في تصريحاته الأخيرة إلى أنه قد يحظى قريباً بشرف السيطرة الكاملة عليها وإعادة صياغة مستقبلها السياسي بما يتماشى مع المصالح الإستراتيجية العليا للولايات المتحدة الأميركية في نصف الكرة الغربي وتغيير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة برمتها
وحسب تقرير لشبكة سي إن إن الإخبارية فإن الرئيس ترامب شدد على سعيه المتواصل لتحرير كوبا واصفاً إياها بالدولة المنهارة تماماً التي لا تملك نفطاً ولا أموالاً بل تتفكك أمام مرأى ومسمع من العالم أجمع مؤكداً في الوقت ذاته أن الإدارة الأميركية موجودة لمساعدة الشعب الكوبي والعائلات المتضررة من السياسات الحاكمة هناك في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية والاقتصادية الخانقة على النظام الحاكم في هافانا بشكل غير مسبوق
وتزامن هذا التصعيد الأميركي المتزايد ضد كوبا مع توجيه اتهامات جنائية رسمية ومباشرة إلى الزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو على خلفية إسقاط طائرتين مدنيتين في عام ستة وتسعين من القرن الماضي في حادثة شهيرة أودت بحياة أربعة أشخاص بينهم ثلاثة مواطنين أميركيين وهي الخطوة القانونية التي اعتبرها مراقبون ومحللون سياسيون جزءاً أساسياً من إستراتيجية ضغط جديدة وشاملة تنتهجها واشنطن لإخضاع قادة الجزيرة وتجريدهم من شرعيتهم الدولية
وتسعى الإدارة الأميركية من خلال هذا التصعيد الممنهج ضد كوبا إلى إضعاف الشخصيات القيادية البارزة داخل النظام الكوبي الحاكم والتي قد تكون أكثر انفتاحاً على التفاوض مع واشنطن في المستقبل بينما يرى محللون عسكريون أن المسار القانوني القضائي الجديد يشكل غطاءً ديبلوماسياً وسياسياً لتحرك عسكري محتمل أو لعملية خاصة مشابهة للعملية الخاطفة التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع العام الحالي لإحداث تغيير جذري سريع
ويُعد هذا التوتر المتصاعد تجاه كوبا أحدث اختبار حقيقي لإستراتيجية الإدارة الأميركية الحالية القائمة على زيادة الضغوط الاقتصادية والديبلوماسية عبر الحصار الشامل مع التلويح المستمر باستخدام القوة العسكرية الغاشمة لدفع الخصوم إلى الاستسلام التام دون شروط وهي المقاربة الإستراتيجية التي تزعم واشنطن أنها نجحت بشكل كبير في الحالة الفنزويلية وساعدت في بروز قيادات جديدة بالوكالة تتولى التنسيق المباشر والمستمر مع فريق الرئيس ترامب في البيت الأبيض
مقاربة الضغط الأقصى وحدود النجاح والفشل
وقد فشل هذا النهج الصارم الذي تتبعه واشنطن ضد كوبا في ملفات دولية أخرى مثل الملف الإيراني إلى حد قد لا يترك أمام إدارة ترامب أي خيار سياسي سوى العودة إلى خيار المواجهة المسلحة المباشرة بينما هاجم الرئيس الكوبي الحالي ميغيل دياز كانيل لائحة الاتهام الأميركية الموجهة لبلاده واصفاً إياها بأنها مناورة سياسية رخيصة تكشف بوضوح عن غطرسة وإحباط الإمبراطورية الأميركية أمام صمود الشعوب الحرة
ويؤكد التقرير الإعلامي أن تحدي كوبا يمس بشكل مباشر إحدى الركائز الأساسية والثابتة في السياسة الخارجية للرئيس ترامب والقائمة على اعتبار أن كل أزمة دولية يمكن تحويلها في نهاية المطاف إلى صفقة تجارية وسياسية رابحة وأن التهديد المستمر باستخدام القوة العسكرية الأميركية ضد الخصوم الأصغر حجماً قد يدفعهم حتماً إلى التراجع السريع وفتح حدودهم وأسواقهم ومواردهم الخام الغنية أمام الشركات الاستثمارية الأميركية العملاقة لاهثة وراء الأرباح
تعقيدات الخيار العسكري في الجزيرة الكاريبية
وتعقّد الحرب المتعثرة التي يخوضها ترامب حالياً في الشرق الأوسط أي تهديدات عسكرية حقيقية تجاه كوبا إذ لا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات ميدانية على وجود حشود عسكرية ضخمة أو واسعة النطاق بالقرب من الجزيرة شبيهة بتلك الاستعدادات الجوية والبحرية الكثيفة التي سبقت التحركات الأميركية السريعة في فنزويلا وإيران مما يثير الشكوك حول القدرة الفعلية لواشنطن على فتح جبهة صراع مسلحة جديدة في هذا التوقيت الحرج
لكن التقارير الاستخباراتية الواردة من السواحل المحيطة بدولة كوبا تشير إلى أن طلعات الطائرات الاستخباراتية والعسكرية الأميركية تشهد تصاعداً ملحوظاً ومستمراً في الآونة الأخيرة وهو النمط العملياتي الدقيق الذي سبق الهجمات الأميركية السابقة على إيران وفنزويلا مما يرفع من حالة التأهب القصوى لدى القوات المسلحة الكوبية التي تتوقع ضربات مباغتة أو عمليات إنزال جوي وبحري تستهدف مراكز القيادة والسيطرة الحيوية في البلاد في أي لحظة
إلا أن التراجع الملحوظ في شعبية الرئيس ترامب بسبب تداعيات الحرب المستمرة في إيران يقلص بشكل كبير هامش المناورة السياسية والعسكرية أمامه للإقدام على أي مغامرة عسكرية جديدة في كوبا وتظهر استطلاعات الرأي الحديثة التي أجرتها شبكات إعلامية كبرى وصحف عالمية مثل نيويورك تايمز أن غالبية الشعب الأميركي تعارض الدخول في صراعات مسلحة جديدة وتطالب بالتركيز على الأزمات الاقتصادية الداخلية التي تؤرق المواطنين وتثقل كاهلهم
وتشير الاستطلاعات ذاتها إلى رفض غالبية الأميركيين للسياسة التصعيدية الهجومية التي يتبناها ترامب تجاه كوبا ورغم أن أي مواجهة مسلحة مباشرة مع النظام الشيوعي قد تحظى بشعبية واسعة ولحظية لدى المنفيين والمهاجرين المناهضين للشيوعية في ولاية فلوريدا الأميركية الذين يشكلون قوة سياسية وانتخابية مؤثرة فإنها قد تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي إضافي ثقيل على كاهل الحزب الجمهوري في انتخابات منتصف الولاية المرتقبة في أميركا
وقد أكد السيناتور الديمقراطي روبن غاليغو أن الشعب الأميركي لا يطالب بخوض حروب جديدة بل يريد التركيز الكامل على بناء المساكن وتطوير البنية التحتية الداخلية وخفض تكاليف الرعاية الصحية المرتفعة بدلاً من إنفاق أموال الضرائب في قصف المباني والمساكن في كوبا وإرسال جيل جديد من الشباب والمحاربين القدامى إلى المستشفيات بسبب صراعات عسكرية غير ضرورية يمكن تجنبها بالطرق الديبلوماسية والقنوات السياسية المعتادة بين الدول
حسابات المقاومة الداخلية وكلفة الصدام المسلح
وفي المقابل فإن أي هجوم عسكري أميركي مباشر أو عملية موجهة لقوات خاصة قد يواجه مقاومة شعبية وعسكرية شرسة للغاية في كوبا مما يؤدي إلى سقوط خسائر بشرية مادية فادحة في صفوف القوات الأميركية تفوق بكثير ما حدث في فنزويلا ورغم ضعف الموارد الاقتصادية للجيش الكوبي وتقادم معداته العسكرية فإن العقيدة القتالية الصلبة للجنود لا تزال قادرة على إلحاق أضرار بالغة بالمصالح الأميركية في المنطقة
ويرجح الخبراء العسكريون أن تكون الحراسة والحماية الأمنية المحيطة بالزعيم راؤول كاسترو مشددة للغاية ومنظمة لدرجة تصعب معها أي عمليات اختراق أمني أو خطف صاعق شبيه بما جرى مع القيادة الفنزويلية كما أن العقود الطويلة من التلاحم بين النظام والمجتمع في كوبا تجعل من الصعب جداً تكرار مشاهد الخيانة أو التعاون السري للمسؤولين المحليين مع أجهزة الاستخبارات الأميركية الغازية مهما بلغت الإغراءات المالية والسياسية المطروحة
ويرى باحثون في معاهد الدراسات الإستراتيجية الدولية أن العقيدة الدفاعية والأمنية في كوبا تقوم أساساً على التعبئة الشعبية الشاملة والمستدامة لجميع السكان في حال وقوع أي غزو أجنبي مباشر وأن أي تدخل عسكري أميركي سيؤدي حتماً إلى سقوط قتلى من الجنود الأميركيين إضافة إلى مئات الضحايا من المدنيين الأبرياء وعناصر الأمن الكوبيين دون تحقيق أي تحول ديمقراطي حقيقي أو تغيير جذري ملموس في بنية النظام
أبعاد الأزمة الإنسانية ومخاطر الانهيار المجتمعي
وفي الوقت نفسه يؤدي تشديد الحصار الاقتصادي والنفطي الأميركي على كوبا إلى خلق أوضاع إنسانية واجتماعية بالغة الهشاشة والخطورة داخل الجزيرة بسبب الحرمان الشديد ونقص المواد الغذائية الأساسية والأدوية الطبية مما يرفع من خطر الانهيار المجتمعي الشامل الذي قد يتسبب في حدوث موجات لجوء وهجرة جماعية غير شرعية بالآلاف نحو السواحل الأميركية القريبة تتحول سريعاً إلى أزمة سياسية وأمنية كبرى لإدارة ترامب التي تعهدت للناخبين بتشديد أمن الحدود
ومع ذلك يرى التقرير الإستراتيجي أن ميل الإدارة الأميركية الحالية إلى الاعتماد على العمليات العسكرية السريعة والحاسمة في حسم ملفاتها الخارجية يعني أن خيار التحرك المسلح ضد كوبا لا يمكن استبعاده من الحسابات السياسية للبيت الأبيض خصوصاً أن الرئيس الأميركي يواصل الإشادة بعملية الإطاحة بمادورو التي ربما دفعته إلى الاعتقاد الخاطئ بأن إسقاط الأنظمة الحاكمة في طهران وهافانا سيكون مهمة سهلة ومضمونة النتائج في نهاية المطاف
وفي ظل المخاطر الأمنية المتزايدة والشكوك العميقة المحيطة بمغامرات ترامب العسكرية الخارجية والتي تتناقض بوضوح مع تعهداته الانتخابية السابقة بعدم خوض حروب خارجية جديدة يستنزف فيها الاقتصاد الأميركي يبرز سؤال جوهري حول الأسباب والدوافع الحقيقية التي تجعل الإدارة الأميركية تفكر في هذا التوقيت الحرج في افتعال أزمة جديدة وتصعيد المواجهة مع كوبا سعياً وراء تحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية معقدة
وبحسب التقارير التحليلية فإن ترامب يحتاج بشدة في هذا التوقيت إلى تحقيق انتصار ديبلوماسياً أو عسكري خارجي يعزز من صورته المهتزة في السياسة الخارجية بعدما بدت وعوده السابقة بإنهاء الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا بعيدة المنال وصعبة التحقيق فضلاً عن أن نجاحه في إسقاط النظام في كوبا يمنحه مجداً تاريخياً وإرثاً سياسياً فريداً عجز عن تحقيقه جميع الرؤساء الأميركيين السابقين منذ عهد الرئيس الأسبق جون كينيدي
الإرث الإيديولوجي وصراع النفوذ الدولي
ويضاف إلى تلك الأسباب الحسابات السياسية والشخصية لوزير خارجيته ماركو روبيو الذي ينحدر من أصول كوبية ولطالما جعل قضية إسقاط النظام الشيوعي الحاكم في هافانا وإضعافه الركيزة الأساسية لمسيرته السياسية والحزبية الطويلة في واشنطن ويرى روبيو أن تحويل كوبا من دولة خصم إلى دولة تدور في الفلك السياسي الأميركي سيعزز بقوة تطبيق عقيدة مونرو الإستراتيجية الهادفة لبسط النفوذ الأميركي الكامل على نصف الكرة الغربي
وتشمل هذه السياسة الإقليمية الصارمة تقديم دعم أميركي سياسي ومالي غير محدود للحلفاء الشعبويين والأنظمة اليمينية في أميركا اللاتينية لمواجهة المد اليساري وتطهير المنطقة من النفوذ الشيوعي كما يبرز القلق الأميركي المزمن من نشاطات التجسس والمراقبة الصينية والروسية المنطلقة من أراضي كوبا والتي تستهدف الأمن القومي الأميركي مباشرة مما يجعل إسقاط النظام هناك ضربة قاصمة لمصالح موسكو وبكين الإستراتيجية في القارة الأميركية
ورغم أن عقوداً من الصمود الكوبي تحت الحصار لم تغير من الواقع السياسي شيئاً فإن المنتقدين يرون أن الإدارة الأميركية الحالية تواجه اتهامات دولية بارتكاب ممارسات غير إنسانية وقاسية ضد الشعب الكوبي عبر تشديد العقوبات الاقتصادية وحظر إمدادات الوقود الحيوية لتشغيل محطات الكهرباء والمستشفيات وضخ المياه النظيفة وإنتاج المواد الغذائية الأساسية مما يهدد بكارثة إنسانية وشيكة وصامتة تتطلب تدخلاً عادلاً ومراجعة شاملة للسياسات الدولية تجاه كوبا