ما وراء نقاط التفتيش.. استراتيجية طهران الجديدة لدمج الحشد الشعبي في المنظومة الأمنية
في قلب طهران، حيث لا تزال رائحة البارود تفوح من أزقة المدينة بعد حرب الأربعين يوماً، استيقظ السكان على واقع أمني جديد ومريب تماماً.
لقد تبدلت الوجوه المألوفة لقوات الأمن المحلية بوجوه مقاتلين يتبعون فصائل الحشد الشعبي، الذين باتوا ينتشرون بكثافة عند التقاطعات الرئيسية والميادين.
هذا الوجود العسكري الأجنبي الملحوظ أثار موجة عارمة من القلق والاغتراب بين المواطنين الذين يشعرون اليوم بتهديد مباشر لهويتهم واستقرارهم داخل وطنهم.
حسب تقرير لـ "اندبندنت فارسية"، فإن المعلومات الواردة من داخل إيران تؤكد بدء مرحلة جديدة وقاسية من القمع الحكومي الممنهج.
وتشير هذه التقارير بوضوح إلى أن استقدام قوات شبه عسكرية أجنبية لم يعد مجرد إجراء مؤقت فرضته ظروف الحرب والاشتباكات المسلحة.
بل تحول وجود عناصر الحشد الشعبي العراقي إلى جزء دائم وهيكلي ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية التي تسيطر على الشوارع الإيرانية حالياً.
تأتي هذه التحركات الأمنية المكثفة بهدف استباق أي احتجاجات شعبية محتملة قد تنفجر في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتدهورة.
ووفقاً للمعلومات الاستخباراتية والميدانية، فإن هذه القوات دخلت الأراضي الإيرانية في الأيام الأخيرة من الحرب التي استنزفت قدرات الحرس الثوري.
حيث تعرضت قوات الباسيج والحرس الثوري لخسائر بشرية فادحة أدت إلى حدوث ثغرات أمنية كبيرة في تأمين المدن الكبرى والمناطق الحساسة.
نقاط التفتيش ولغة الإشارة في الشوارع
يلاحظ المواطنون انتشاراً واسعاً لعناصر الحشد الشعبي وهم يرتدون زياً عسكرياً يشبه إلى حد كبير زي قوات الباسيج الإيرانية للتمويه.
إلا أن لغتهم وملامحهم وسلوكهم العنيف تكشف هويتهم الحقيقية بسرعة، خاصة عند نقاط التفتيش التي تنصب فجأة في الأحياء السكنية الهادئة.
هذه العناصر تقوم بتنظيم دوريات ليلية مشددة، وتشارك في تجمعات مؤيدة للحكومة، مما يعكس عملية دمج عملية وشاملة ضمن التشكيلات الأمنية.
تروي امرأة تبلغ من العمر 32 عاماً من سكان شرق طهران تفاصيل صادمة عن مواجهتها اليومية مع هذه المجموعات المسلحة.
تقول إنها منذ عدة ليالٍ، تلاحظ وجود أشخاص عند نقطة التفتيش في حيها لا يتقنون التحدث باللغة الفارسية على الإطلاق.
هؤلاء العناصر يرتدون ملابس الحشد الشعبي بوضوح، ويتواصلون مع المارة عبر الإشارات أو باستخدام كلمات عربية وفارسية مكسرة وغير مفهومة.
وتضيف السيدة في شهادتها أن هؤلاء المسلحين قاموا فجر أحد الأيام بإغلاق الشارع الرئيسي وإجبار السيارات على السير عكس الاتجاه.
وعندما حاولت الاعتراض، وجه لها أحدهم ملاحظة عدوانية بكلمات عربية حول حجابها، مما أثار حالة من الذعر والارتباك لدى الركاب.
وعندما تدخل أحد العناصر الإيرانيين لتهدئة الموقف، حذرها بوضوح من التحدث معهم واصفاً إياهم بأنهم أشخاص "متوحشون" ولا يمكن التنبؤ بأفعالهم.
اغتراب المواطن في وطن تحكمه الميليشيات
في الجانب الغربي من العاصمة طهران، يعبر رجل في الحادية والأربعين من عمره عن شعور عميق بالإحباط والمهانة جراء ما يحدث.
يؤكد الرجل أن الوضع تغير جذرياً، حيث كان في السابق يواجه عناصر الباسيج المحليين الذين يعرفون طباع السكان ولغتهم وتفاصيل حياتهم.
أما الآن، فإن الأشخاص المتواجدين في نقاط التفتيش يرتدون زياً عسكرياً عربياً واضحاً ويتصرفون بخشونة مفرطة وكأنهم فوق القانون تماماً.
وينقل الرجل قصصاً متداولة في حيه عن تحرش بعض هؤلاء العناصر العراقيين بالفتيات والنساء أثناء عمليات التفتيش والتدقيق في الهويات.
ويتساءل بمرارة كيف يمكن لمن حارب لثماني سنوات لمنع احتلال بلاده أن يرى اليوم شوارع مدينته محتلة من قبل عناصر أجنبية.
هذا الشعور بالاغتراب والمهانة يسيطر على قطاعات واسعة من الإيرانيين الذين يرون في هذا الوجود دليلاً على ضعف النظام الحاكم.
امتدت هذه الظاهرة إلى مدينة كرج المجاورة، حيث تصف امرأة تبلغ 28 عاماً تجربتها المريرة عند إحدى نقاط التفتيش المفاجئة.
تؤكد السيدة أنها واجهت مسلحين يتحدثون العربية ويشيرون بأيديهم بطريقة مهينة، مما أشعرها بأنها في بلد محتل من قوة أجنبية غاشمة.
وتضيف أن السيطرة على المدينة باتت فعلياً بيد أشخاص لا ينتمون للنسيج الاجتماعي الإيراني، مما يزيد من حدة التوتر الشعبي المتصاعد.
سد فجوات الحرس الثوري بقوات أجنبية
تشير المصادر المحلية إلى أن النظام الإيراني لجأ إلى توسيع الاعتماد على الحشد الشعبي لتعويض النقص الحاد في الكوادر الأمنية المحلية.
فقد أدت حرب الأربعين يوماً ضد التحالف الأمريكي الإسرائيلي إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف قوات الأمن الداخلي.
كما سجلت التقارير حالات فرار واسعة النطاق بين عناصر الباسيج الذين رفضوا الانخراط في مواجهات عسكرية خاسرة أو قمع الشعب بعنف.
وبناءً على المعطيات الميدانية، لا يقتصر حضور هذه القوات على نقاط التفتيش فقط، بل يمتد للمشاركة في العمليات القتالية والأمنية المعقدة.
حيث رصدت تقارير أخرى إشراك قوات "فاطميون" الأفغانية، المرتبطة بشكل وثيق بالحرس الثوري، إلى جانب العناصر العراقية لتشكيل حزام أمني متين.
هذا التحالف الميليشياوي العابر للحدود يهدف إلى حماية مراكز القوة في النظام من أي انتفاضة داخلية قد تطيح برؤوس السلطة العليا.
ويرى مراقبون أن تداخل عمل الحشد الشعبي مع الباسيج يسهم في رفع مستوى العنف الممارس ضد المدنيين العزل في الشوارع.
فهذه العناصر الأجنبية لا تمتلك أي روابط عاطفية أو وطنية مع الشعب الإيراني، مما يجعلها أكثر استعداداً لاستخدام القوة القاتلة والمفرطة.
وقد سجلت بالفعل حالات اعتداء جسدي وتحرش جنسي وتفتيش غير قانوني للهواتف الشخصية والممتلكات الخاصة تحت ذريعة الحفاظ على الأمن.
مستقبل السيطرة الأمنية وتحديات الاستقرار
يعكس لجوء السلطة في طهران إلى عناصر غير محلية لضبط الشارع حجم التحديات الوجودية التي تواجهها المنظومة الحاكمة في الوقت الراهن.
فعندما تفقد الدولة ثقتها في قواتها الأمنية الوطنية وتستعين بمرتزقة أجانب، فإن ذلك يعد اعترافاً ضمنياً بفقدان الشرعية الشعبية والسيطرة الميدانية.
ويؤكد سكان العاصمة أن انتشار الحشد الشعبي يزداد يوماً بعد يوم بدلاً من أن يتراجع بعد انتهاء العمليات العسكرية المباشرة.
وتفيد تقارير استخباراتية بأن هناك توجهاً لاعتماد طويل الأمد على هذه التشكيلات الميليشياوية في إدارة الأمن داخل المدن الإيرانية الكبرى والمنكوبة.
هذا التوجه قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي غير مسبوق، حيث يرفض الإيرانيون بطبعهم الخضوع لسلطة أجنبية تفرض إرادتها بقوة السلاح والترهيب.
إن تزايد مشاعر الكراهية تجاه هذه القوات قد يتحول قريباً إلى مواجهات مباشرة بين المواطنين وعناصر الميليشيات في الأزقة والشوارع الضيقة.
في الختام، تبقى طهران تعيش حالة من الترقب والحذر تحت وطأة هذا الوجود العسكري الثقيل الذي يغير ملامح المدينة التاريخية.
ويبقى الحشد الشعبي الأداة الأكثر إثارة للجدل في يد النظام لمحاولة البقاء في السلطة، مهما كان الثمن الاجتماعي والسياسي باهظاً.
إن قصة مدينة طهران اليوم هي قصة صراع بين إرادة شعب يتوق للحرية، ونظام يستعين بالغرباء لإحكام قبضته الحديدية على مصير الأمة.
إن تكرار مشاهد التفتيش والتحرش والمضايقات اليومية يعزز القناعة بأن النظام الإيراني قد دخل في مرحلة الانهيار الأخلاقي والسياسي الشامل.
ومع استمرار تثبيت وجود الحشد الشعبي في المفاصل الحيوية للدولة، يصبح من الصعب التنبؤ بموعد وكيفية انتهاء هذا الاغتراب الأمني المفروض.
ستبقى شهادات الضحايا من النساء والرجال في طهران وكرج شاهدة على حقبة سوداء من تاريخ إيران، حيث سُلبت السيادة من أهلها.