أوروبا بين صدمة الطاقة وإغراء العودة إلى الغاز الروسي
تكشف التطورات الأخيرة الناجمة عن الحرب مع إيران عن ضعف البنية التحتية لسوق الطاقة العالمي، وعن درجة الترابط العميق بين الجغرافيا السياسية وأسعار البترول والغاز، ففي غضون أيام قليلة فقط، شهدت الأسواق الدولية ارتفاعات قياسية في أسعار الطاقة، الأمر الذي فرض صدمة اقتصادية مباشرة على الدول الأوروبية، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود الأحفوري، هذه الصدمة لم تعد مجرد مسألة اسعار ، بل تعكس هشاشة استراتيجية Strategic fragility تجعل أي اضطراب جيوسياسي في مناطق الإنتاج الحيوية، مثل الخليج، يتحول بسرعة إلى تهديد حقيقي لاستقرار الاقتصاد الأوروبي، ويعيد فتح النقاش حول مدى نجاح سياسات الطاقة المستقلة والتحول نحو مصادر طاقة متجددة ومستدامة.
واتّصالاً بذلك ، تشير البيانات التي عرضتها رئيسة المفوضية الأوروبية Ursula von der Leyen أمام البرلمان الأوروبي إلى أن أسعار الغاز في أوروبا ارتفعت بنحو 50% منذ بداية الحرب، بينما صعدت أسعار البترول بنحو 27%، ما أضاف ما يقرب من ثلاثة مليارات يورو إلى فاتورة واردات الطاقة الأوروبية خلال عشرة أيام فقط.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تقلبات عابرة في الأسواق، بل تكشف عن طبيعة الخلل البنيوي في منظومة أمن الطاقة الأوروبية، فالاتحاد الأوربي ، رغم الجهود التي بذلت خلال السنوات الأخيرة لتقليص اعتمادها على الطاقة الروسية عقب الحرب في أوكرانيا، لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من الخارج، سواء من الشرق الأوسط أو من أسواق الغاز الطبيعي المسال العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب في منطقة الخليج، التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم، يتحول سريعًا إلى صدمة مباشرة للاقتصاد الأوروبي. وتؤكد التجربة الحالية أن أسواق الطاقة العالمية مترابطة على نحو يجعل الأزمات الإقليمية تتحول بسرعة إلى أزمات اقتصادية دولية، خاصة بالنسبة للاقتصادات الصناعية الكبرى التي تعتمد على تدفقات الطاقة المستوردة.
في هذا السياق، برز داخل بعض الأوساط الأوروبية طرح يدعو إلى تخفيف القيود المفروضة على واردات الطاقة الروسية باعتبارها خيارًا سريعًا لاحتواء الارتفاع الحاد في الأسعار، غير أن رئيسة المفوضية الأوروبية حذرت بوضوح من هذا الاتجاه، واعتبرته «خطأً استراتيجيًا» من شأنه أن يعيد أوروبا إلى دائرة الاعتماد الجيوسياسي التي حاولت الخروج منها خلال السنوات الماضية. فالعودة إلى البترول والغاز الروسيين، وفق هذا المنطق، لن تعني فقط تخفيضًا مؤقتًا للأسعار، بل ستعيد خلق علاقة تبعية استراتيجية تجعل الاقتصاد الأوروبي أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية في المستقبل. كما أن تخفيف القيود على الطاقة الروسية قد يضعف منظومة العقوبات الغربية ويقوض التوازنات السياسية التي تشكلت منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وفي موازاة ذلك، يتصاعد الجدل داخل أوروبا حول ضرورة إعادة تقييم دور الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة الأوروبي. فقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الاعتماد الحصري على مصادر الطاقة المتجددة لم ينجح علي الإطلاق في توفير بديل مستقر وكافٍ للطاقة الأحفورية ، خاصة في أوقات الأزمات الجيوسياسية أو التقلبات الحادة في أسواق الطاقة العالمية. ويبرز هنا المثال الألماني بوصفه تجربة دالة؛ إذ اتخذت برلين قرارًا استراتيجيًا بالتخلي عن الطاقة النووية في إطار سياسة التحول الطاقوي المعروفة باسم Energiewende، وأنفقت مئات المليارات من اليوروهات على تطوير الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. غير أن هذه الجهود الضخمة لم تنجح في سد الفجوة التي تركها خروج المفاعلات النووية من الخدمة، ما دفع ألمانيا في مرحله لاحقه إلى تكثيف اعتمادها على الفحم لضمان استقرار إمدادات الكهرباء، ويكشف هذا المسار عن مفارقة واضحة، إذ إن التوسع في استخدام الفحم – وهو من أكثر مصادر الطاقة تلويثًا للبيئة – يتعارض بصورة مباشرة مع الأهداف التي أعلنتها أوروبا في إطار سياساتها لمكافحة التغير المناخي والحد من ظاهرة الاحترار العالمي. ومن ثم بدأ يتشكل داخل العديد من الدوائر الأوروبية إدراك متزايد بأن الطاقة النووية قد تمثل خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه في مرحلة الانتقال لتعزيز أمن الطاقه ، ليس فقط لأنها توفر مصدرًا مستقرًا للكهرباء منخفض الانبعاثات الكربونية، بل أيضًا لأنها تقلل من درجة الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري من مناطق تشهد توترات جيوسياسية متكررة.
ومن منظور أوسع، تكشف هذه الأزمة عن معضلة استراتيجية تواجهها أوروبا في مسار التحول في مجال الطاقه . فالقارة الأوروبية تسعى إلى الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة، لكنها في الوقت ذاته لم تتمكن من بناء منظومة طاقة مستقلة بالكامل عن الأسواق الخارجية. لذلك تجد نفسها في كل أزمة جيوسياسية أمام خيارين صعبين: إما تحمل كلفة ارتفاع الأسعار للحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي، أو اللجوء إلى مصادر طاقة قد تعيد إنتاج أنماط التبعية السابقة. وفي هذا الإطار، تؤكد المفوضية الأوروبية أن الحل لا يكمن في العودة إلى الماضي، بل في تعزيز الاستثمار في مصادر الطاقة المحلية، مع التركيز على الطاقة المتجددة والطاقة النووية، اللتين تتميزان باستقرار نسبي مقارنة بالتقلبات الشديدة التي تشهدها أسواق الوقود الأحفوري،
ورغم ما تبدو عليه هذه المقترحات من منطق نسبي، فإن تنفيذها يتطلب وقتًا طويلًا واستثمارات ضخمة، لا تتوافر لدى العديد من الدول الأوروبية. ومن ثم، قد تجد هذه الدول نفسها مضطرة جزئيًا إلى العودة إلى الطاقة الروسية، بعد التداعيات الاقتصادية العميقة التي لحقت بالاتحاد الأوروبي نتيجة العقوبات المفروضة على موسكو.
وهكذا، لم تقتصر تداعيات الحرب مع إيران على إثارة صدمة جديدة في أسواق الطاقة العالمية، بل كشفت عن أزمة هيكلية أعمق في أمن الطاقة الأوروبي، وأجبرت الاتحاد على إعادة تقييم استراتيجياته الطاقوية بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على واردات الوقود الأحفوري من مناطق متقلبة. التجربة الحالية تؤكد أن أوروبا تواجه خيارًا حاسمًا: إما الاستمرار في مواجهة تقلبات الأسعار بأسلوب مكلف وغير مستدام، أو الإسراع في بناء منظومة طاقة متكاملة توازن بين مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية، بما يضمن استقرار الإمدادات ويعزز السيادة الاستراتيجية للقارة في عالم يشهد تزايدًا مستمرًا في الاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة.
السفير عمرو حلمي