طاهر أبو زيد يكتب: الكادر الذي نحتاجه.. سياسي أم مهني؟
خلال السنوات الأخيرة، ومع تطور مساحات التمكين السياسي والشبابي، برز سؤال مهم للغاية: هل يكفي أن نصنع كوادر تجيد العمل السياسي فقط؟ أم أن المرحلة الحالية تحتاج إلى نموذج مختلف… يجمع بين الخبرة المهنية والوعي السياسي؟
الحقيقة أن المشهد يتغير بسرعة كبيرة، سواء على مستوى الاقتصاد أو التكنولوجيا أو طبيعة الوظائف نفسها. وبالتالي، لم يعد مقبولًا أن يعيش الكادر السياسي في مساحة معزولة عن المجتمع الحقيقي، وسوق العمل، والتحولات اليومية التي يواجهها المواطن.
وربما لهذا السبب تحديدًا، ظهرت خلال السنوات الأخيرة حالة من إعادة التفكير في طبيعة الكادر المطلوب للحياة العامة. فالجماهير لم تعد تبحث فقط عن “السياسي المتحدث”، وإنما عن الشخص القادر على فهم الواقع، وربط القرار العام بحركة المجتمع والاقتصاد والعمل.
ولهذا كنت قد طرحت سابقًا، في حديثي عن مستقبل النقابات، سؤالًا مهمًا:
“ما هو شكل التمثيل والتنظيم المهني في عصر المهن الجديدة؟”
لأن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالوظائف التي ستختفي أو الوظائف التي ستظهر، وإنما أيضًا: كيف سيتم إعداد كوادر قادرة على فهم هذا العالم الجديد سياسيًا ومهنيًا في الوقت نفسه؟
وفي سياق آخر، تحدثت من قبل عن خطورة أن تتحول الحياة السياسية إلى حالة موسمية، ترتبط فقط بالانتخابات أو اللحظات الاستثنائية، لأن السياسة الحقيقية لا تُبنى بالمواسم، وإنما بالتراكم والاستمرارية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن خلق استمرارية حقيقية داخل المجال العام دون كوادر تمتلك جذورًا مهنية ومجتمعية حقيقية؟
ومن هنا تظهر أهمية “الكادر المهني السياسي”… ذلك الشخص الذي لا يعيش داخل السياسة فقط، ولا يتحرك بمنطق الشعارات وحدها، وإنما يمتلك خبرة عملية تجعله أكثر قربًا من الواقع.
فالمهندس الذي يفهم تحديات الصناعة والطاقة،والطبيب الذي يدرك أزمات المنظومة الصحية،والمعلم الذي يرى مشكلات التعليم يوميًا،والصحفي الذي يتعامل مع الوعي العام، كل هؤلاء حين ينخرطون في العمل العام، يصبح لديهم قدرة أكبر على تحويل السياسة من كلام إلى حلول قابلة للتنفيذ.
ولهذا كانت النقابات المهنية تاريخيًا أحد أهم مسارات إنتاج القيادات المجتمعية، لأنها لم تكن مجرد كيانات خدمية، بل مساحات تجمع بين:المهنة،والخدمة العامة،والعمل الجماعي،والدفاع عن الحقوق،وفهم احتياجات الناس بشكل مباشر.
لكن التحدي الآن أن شكل العمل نفسه يتغير بسرعة غير مسبوقة. وهنا تعود الأسئلة التي طرحتها سابقًا:
هل النقابات التقليدية مستعدة لاستيعاب المهن الجديدة؟
وهل تستطيع أن تتحول من مجرد جهات خدمية إلى منصات للتأهيل وصناعة الكوادر؟
الحقيقة أن الدولة الحديثة لم تعد تحتاج فقط إلى “سياسي محترف”، بل تحتاج إلى كوادر تمتلك: فهمًا اقتصاديًا،وخبرة مهنية،وقدرة على الإدارة،ووعيًا اجتماعيًا،وإدراكًا حقيقيًا لتحولات سوق العمل.
لأن أخطر ما قد يحدث لأي تجربة سياسية، هو الانفصال التدريجي بين الخطاب السياسي والواقع اليومي للمواطن.
ومن هنا يصبح الدمج بين السياسة والمهنة ليس رفاهية… بل ضرورة لبناء كوادر أكثر واقعية واستدامة وتأثيرًا
وحقيقة في نظري لم تعد الأزمة الحقيقية في نقص الكوادر…بل في شكل الكادر نفسه الذي نحتاجه
كادر يعرف كيف يعمل… وكيف يفكر… وكيف يشارك في بناء وطنه دون أن يفقد صلته بالحياة الحقيقية للناس
تطبيق نبض